الباب الثامن
ابن تيمية: جنازة مشهودة وشهادة من الخلق له بالكرامة والولاية
سبع
وخمسون عاماً أمضاها الشيخ وهي عمره
في جهاد مرير وسعي متواصل، ودعوة
دائمة إلى الله عز وجل حتى أتته
المنية مسجوناً بقلعة دمشق في سعاية
للواشين والحاسدين من عباد القبور
أنه يمنع الناس من زيارة الرسول
والصالحين والصحيح أنه نهى الناس عن
شد الرحال إليها مؤكداً أن زيارتهم
سنة مستحبة وهذا قد ذكرناه في مقدمة
الكتاب، وفي ردنا على المفتري الكذاب..
أقول كان لا بد بعد ذلك أن يستريح
الشيخ ويؤوي -بحمد الله ومشيئته
وفضله- إلىجنة الله ورضوانه وكانت
جنازة لا يعهد تاريخ الإسلام مثلها
إلا لإمام أهل السنة والجماعة أحمد
بن حنبل رضي الله عنه وهاك وصفاً حياً
لجنازته كما رواها ابن كثير في
تاريخه.
وفاة
شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين
أحمد بن تيمية
قال
الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه:
وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي
القعدة توفي الشيخ الإمام العالم
العلم العلامة الفقيه الحافظ الزاهد
العابد المجاهد القدرة شيخ الإسلام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن شيخنا
الإمام العلامة المفتي شهاب الدين
أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ
الإمام شيخ الإسلام أبي البركات عبد
السلام بن عبد الله بن أبي القاسم
محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن
علي بن عبد الله بن تيمية الحراني ثم
الدمشقي، بقلعة دمشق بالقاعة التي
كان محبوساً بها، وحضر جمع كثير إلى
القلعة، وأذن لهم في الدخول عليه،
وجلس جماعة عنده قبل الغسل وقرأوا
القرآن وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثم
انصرفوا، ثم حضر جماعة من النساء
ففعلن مثل ذلك ثم انصرفن واقتصروا
على من يغسله، فلما فرغ من غسله أخرج
ثم اجتمع الخلق بالقلعة والطريق إلى
الجامع وامتلأ الجامع أيضاً وصحنه
والكلاسة وباب البريد وباب الساعات
إلى باب اللبادين والغوارة، وحضرت
الجنازة في الساعة الرابعة من النهار
أو نحو ذلك ووضعت في الجامع، والجند
قد احتاطوا بها يحفظونها من الناس من
شدة الزحام، وصلى عليه أولاً
بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه أولاً
الشيخ محمد بن تمام، ثم صلى عليه
بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر، وقد
تضاعف اجتماع الناس على ما تقدم
ذكره، ثم تزايد الجمع إلى ضاقت
الرحاب والأزقة والأسواق بأهلها ومن
فيها، ثم حمل بعد أن صلى عليه على
الرؤوس والأصابع، وخرج النعش به من
باب البريد واشتد الزحام وعلت
الأصوات بالبكاء والنحيب والترحم
عليه والثناء والدعاء له، وألقى
الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم
وثيابهم، وذهبت النعال من أرجل الناس
وقباقيبهم ومناديل عمائم لا يلتفتون
إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة،
وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم
وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى تمر
الناس.
وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها
وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من
الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد
جميعها من شدة الزحام فيها، لكن كان
معظم الزحام من الأبواب الأربعة: باب
الفرج الذي أخرجت منه الجنازة، وباب
الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية.
وعظم الأمر بسوق الخيل وتضاعف الخلق
وكثر الناس، ووضعت الجنازة هناك
وتقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين
الدين عبد الرحمن، فلما قضيت الصلاة
حمل إلى مقبرة الصوفية فدفن إلى جانب
أخيه شرف الدين عبد الله رحمهما
الله، وكان دفنه قبل العصر بيسير،
وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من
أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى
وغيرهم، وأغلق الناس حوانيتهم ولم
يتخلف عن الحضور إلا من هو عاجز عن
الحضور، مع الترحم والدعاء له، ولو
أنه قدر ما تخلف، وحضر نساء كثيرات
بحيث حزرن بخمسة عشر ألف امرأة، غير
اللاتي كن على الأسطح وغيرهن، الجميع
يترحمن ويبكين عليه فيما قيل.
وأما الرجال فحزروا بستين ألفاً إلى
مائة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مائتي
ألف وشرب جماعة الماء الذي فضل من
غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الذي
غسل به، ودفع في الخيط الذي كان فيه
الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل
مائة وخمسون درهماً وقيل إن الطاقية
التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة
درهم. وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء
كثير وتضرع وختمت له ختمات كثيرة
بالصالحية وبالبلد وتردد الناس إلى
قبره أياماً كثيرة ليلاً ونهاراً
يبيتون عنده ويصحون، ورؤيت له منامات
صالحة كثيرة، ورثاه جماعة بقصائد جمة.
ثم
استطرد ابن كثير قائلاً:
قال:
وقد اتفق موته في سحر ليلة الاثنين
المذكور، فذكر ذلك مؤذن القلعة على
المنارة بها وتكلم به الحراس على
الأبرجة، فما أصبح الناس إلا وقد
تسامعوا بهذا الخطب العظيم والأمر
الجسيم، فبادر الناس على الفور إلى
الاجتماع حول القلعة من كل مكان
أمكنهم المجيء منه، حتى من الغوطة
والمرج، ولم يطبخ أهل الأسواق شيئاً،
ولا فتحوا كثيراً من الدكاكين التي
من شأنها أن تفتح أوائل النهار على
العادة، وكان نائب السلطنة تنكز قد
ذهب يتصيد في بعض الأمكنة، فحارت
الدولة ماذا يصنعون، وجاء الصاحب شمس
الدين غبريال نائب القلعة فعزاه فيه،
وجلس عنده، وفتح باب القلعة لمن يدخل
من الخواص والأصحاب والأحباب،
فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من
أخصاء أصحابه من الدولة وغيرهم من
أهل البلد والصالحية، فجلسوا عنده
يبكون ويثنون *على مثل ليلى يقتل
المرء نفسه* وكنت فيمن حضر هناك مع
شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه
الله، وكشفت عن وجه الشيخ ونظرت إليه
وقبلته، وعلى رأسه عمامة بعذب مغروزة
وقد علاه الشيب أكثر مما فارقناه.
وأخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبد
الرحمن أنه قرأ هو والشيخ منذ دخل
القلعة ثمانين ختمة وشرعاً في
الحادية والثمانين، فانتهينا فيها
إلى آخر اقتربت الساعة {إن المتقين في
جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر}
فشرع عند ذلك الشيخان الصالحان
الخيران عبد الله بن المحب وعبد الله
الزرعي الضرير -وكان الشيخ رحمه الله
يحب قراءتهما- فابتدأ من أول سورة
الرحمن حتى ختموا القرآن وأنا حاضر
أسمع وأرى.
ثم شرعوا في غسل الشيخ وخرجت إلى مسجد
هناك ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في
غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي
وجماعة من كبار الصالحين الأخيار،
أهل العلم والإيمان، فما فرغ منه حتى
امتلأت القلعة وضج الناس بالبكاء
والثناء والدعاء والترحم، ثم ساروا
به إلى الجامع فسلكوا طريق العمادية
على العادية الكبيرة، ثم عطفوا على
ثلث الناطفانيين، وذلك أن سويقة باب
البريد كانت قد هدمت لتصلح، ودخلوا
بالجنازة إلى الجامع الأموي،
والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها
عن يمينها وشمالها مالا يحصى عدتهم
إلا الله تعالى، فصرخ صارخ وصاح صائح
هكذا تكون جنائز أئمة السنة فتباكى
الناس وضجوا عند سماع هذا الصارخ
ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي
المقصورة، وجلس الناس من كثرتهم
وزحمتهم على غير صفوف، بل مرصوصين
رصاً لا يتمكن أحد من السجود إلا
بكلفة جُوّ الجامع وبرّى الأزقة
والأسواق، وذلك قبل آذان الظهر
بقليل، وجاء الناس من كل مكان، ينوي
خلق الصيام لأنهم لا يتفرغون في هذا
اليوم لأكل ولا لشرب، وكثر الناس
كثرة لا تحد ولا توصف، فلما فرغ من
أذان الظهر أقيمت الصلاة عقبه على
السدة خلاف العادة، فلما فرغوا من
الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب
بمصر فصلى عليه إماماً، وهو الشيخ
علاء الدين الخراط، ثم خرج الناس من
كل مكان من أبواب الجامع والبلد كما
ذكرنا، واجتمعوا بسوق الخيل، ومن
الناس من تعجل بعد أن صلى في الجامع
إلى مقابر الصوفية، والناس في بكاء
وتهليل في مخافته كل واحد بنفسه، وفي
ثناء وتأسف، والنساء فوق الأسطحة من
هناك إلى المقبرة يبكين ويدعين ويقلن
هذا العالم.
وبالجملة كان يوماً مشهوداً لم يعهد
مثله بدمشق إلا أن يكون في زمن بني
أمية حين كان الناس كثيرين، وكانت
دار الخلافة، ثم دفن عند أخيه قريباً
من أذان العصر على التحديد، ولا يمكن
أحد حصر من حضر الجنازة، وتقريب ذلك
أنه عبارة عمن أمكنه الحضور من أهل
البلد وحواضره ولم يتخلف من الناس
إلا القليل من الصغار والمخدرات أ.هـ.
يوم
الجنائز شهادة لأهل الحق:
قال ابن كثير:
"ثم
ذكر الشيخ علم الدين بعد إيراد هذه
الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي داود
وعظمها، وجنازة الإمام أحمد ببغداد
وشهرتها، وقال الإمام أبو عثمان
الصابوني: سمعت أبا عبد الرحمن
السيوفي يقول: حضرت جنازة أبي الفتح
القواس الزاهد مع الشيخ أبي الحسن
الدارقطني فلما بلغ إلى ذلك الجمع
العظيم أقبل علينا وقال سمعت أبا سهل
بن زياد القطان يقول سمعت عبد الله بن
أحمد بن حنبل يقول سمعت أبي يقول:
قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم
الجنائز، قال ولا شك أن جنازة أحمد بن
حنبل كانت هائلة عظيمة، بسبب كثرة
أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم
له، وأن الدولة كانت تحبه، والشيخ
تقي الدين ابن تيمية رحمه الله توفي
ببلدة دمشق، وأهلها لا يعشرون أهل
بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا
لجنازته اجتماعاً لو جمعهم سلطان
قاهر، وديوان حاصر لما بلغوا هذه
الكثرة التي اجتمعوها في جنازته،
وانتهوا إليها. هذا مع أن الرجل مات
بالقلعة محبوساً من جهة السلطان،
وكثير من الفقهاء والفقراء يذكرون
عنه للناس أشياء كثيرة، مما ينفر
منها طباع أهل الأديان، فضلاً عن أهل
الإسلام. وهذه كانت جنازته" (البداية
والنهاية ص137-138 ج14).
الذين
تخلفوا عن جنازته:
وقال أيضاً:
"وما
علمت أحداً من أهل العلم إلا النفر
اليسير تخلف عن الحضور في جنازته،
وهم ثلاثة أنفس: وهم ابن جمله،
والصدر، والقفجاري، وهؤلاء كانوا قد
اشتهروا بمعاداته فاختفوا من الناس
خوفاً على أنفسهم، بحيث أنهم علموا
متى خرجوا قتلوا وأهلكهم الناس" أ.هـ.
ثناء
الناس عليه بعد وفاته:
وقال أيضاً:
وتردد
شيخنا الإمام العلامة برهان الدين
الفزاري إلى قبره في الأيام الثلاثة
وكذلك جماعة من علماء الشافعية، وكان
برهان الدين الفزاري يأتي راكباً على
حماره وعليه الجلالة والوقار رحمه
الله.
وعملت له ختمات كثيرة ورؤيت له
منامات صالحة عجيبة، ورثي بأشعار
كثيرة وقصائد مطولة جداً. وقد أفردت
له تراجم كثيرة، وصنف في ذلك جماعة من
الفضلاء وغيرهم، وسألخص من مجموع ذلك
ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه وفضائله
وشجاعته وكرمه ونصحه وزهادته
وعبادته وعلومه المتنوعة الكثيرة
المجودة وصفاته الكبار والصغار،
التي احتوت على غالب العلوم ومفرداته
في الاختيارات التي نصرها بالكتاب
والسنة وأفتى بها. أ.هـ
الباب التاسع
واجبنا نحو شيخ الإسلام ابن تيمية
لم
أجد في هذا الصدد خيراً من رسالة
كتبها الشيخ الإمام القدوة الزاهد
عماد الدين أبوالعباس بن إبراهيم بن
عبد الرحمن الواسطي المتوفى سنة 711هـ،
والتي كتب هذه الرسالة التي يوصي
فيها اتباع الشيخ شيخ الإسلام ابن
تيمية وتلاميذه أن يقوموا بحق شيخهم
وإمامهم وقدوتهم، ويذكر فيها ما من
الله سبحانه وتعالى به عليهم من
معرفة الدين الحق والهداية إلى
الصراط المستقيم على يد شيخهم ابن
تيمية في وقت يعيش فيه الناس في
الضلال المبين والظلمات العظيمة،
ويذكر أنهم هم الفئة الذين قال فيهم
الرسول صلى الله عليه وسلم: [لا تزال
طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا
يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى
يأتي أمر الله وهم كذلك].
فالشيخ ابن تيمية وتلاميذه وأحبابه
وأنصاره كانت هي هذه الفئة حتماً في
زمانه فهم الفئة التي حاربت جميع
المرتدين والمارقين بالحجة والبيان
والسيف والسنان، فلقد حاربوا التتار
المعتدين المتلبسين بظاهر الشهادة
فقط والمخالفين شرائع الإسلام،
وحارب الشيخ كذلك بسيفه طوائف
النصيرية، والاسماعيلية والرافضة
والباطنية الموالين لأهل الصليب
المكفرين لصدر الإسلام، وكذلك لم نبق
طائفة من أهل الباطن كأهل الحلول،
والتأويل والزندقة وعباد القبور،
وأمراء الظلم إلا وقد ناقشهم الشيخ
وتلاميذه وأبطلوا حججهم وأظهروا
كذبهم وتحريفهم أو جهلهم وانتحالهم..
لقد رأى الشيخ عماد الدين هذه النعم
العظيمة على شيخ الإسلام ابن تيمية
وتلاميذه، فأخذته الحمية والشهامة،
والعزة على جناب الشيخ العظيم فقام
يوصي أتباعه بالشيخ أن يعرفوا له
حرمته، ويقدروا له مكانته وينزلوه
منزلته.. واترك المجال بعد هذه
المقدمة للشيخ عماد الدين ليقدم
وصيته الخالدة حيث يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله وسبحان الله وبحمده، تقدس في
علوه وجلاله. وتعالى في صفات كماله.
وتعاظم في سبحات فرادنيته وجماله،
وتكرم في افضاله وجمال نواله، جل أن
يمثل بشيء من مخلوقاته، أو يحاط به،
بل هو المحيط بمبتدعاته، لا تصوره
الأوهام، ولا تقله الأجرام، ولا يعقل
كنه ذاته البصائر ولا الأفهام.
الحمد لله مؤيد الحق وناصره، ودافع
الباطل وكاسره، ومعز الطائع وجابره،
ومذل الباغي ودائره، الذي سعد بخطوة
الاقتراب من قدسه من قام بأعباء
الاتباع في بنانه وأسه، وفاز
بمحبوبيته في ميادين أنسه من بذل ما
يهواه في طلبه من قلبه وحسه، وتثبت في
مهامه الشكوك منتظراً زوال لبسه،
سبحانه وبحمده له المثل الأعلى،
والنور الأتم الأجلى، والبرهان
الظاهر في الشريعة المثلى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له. الذي شهدت لوحدانيته الفطر،
وأسلم لربوبيته ذو العقل والنظر،
وظهرت أحكامه في الآي والسور، وتم
اقتداره في تنزل القدر.
وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم
عبده ورسوله، الذي شهدت بنبوته
الهواتف والأحبار، فكان قبل ظهوره
ينتظر، وتلاحقت عند مبعثه معجزاته من
حنين الجذع وانقياد الشجر، صلوات
الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل
الخشية والحذر، والعلم المنور، فهم
قدوة التابع للأثر.
وبعد. فهذه رسالة سطرها العبد الضعيف
الراجي رحمة ربه وغفرانه، وكرمه
وامتنانه. أحمد بن إبراهيم الواسطي.
عامله الله بما هو أهله فإنه أهل
التقوى وأهل المغفرة.
إلى إخوانه في الله السادة العلماء،
والأئمة الأتقياء، ذوي العلم
النافع، والقلب الخاشع، والنور
الساطع، الذين كساهم كسوة الأتباع،
وأرجو من كرمه أن يحققهم بحقائق
الانتفاع:
السيد الأجل العالم، الفاضل فخر
المحدثين، ومصباح المتعبدين المتوجه
إلى رب العالمين، تقي الدين أبي حفص
عمر بن عبد الله بن عبدالأحد بن شقير.
والشيخ الأجل، العالم الفاضل السالك
الناسك ذي العلم والعمل، المكتسي من
الصفات الحميدة أجمل الحلل، الشيخ
شمس الدين محمد بن عبدالأحد الآمدي.
والسيد الأخ، العالم الفاضل، السالك
الناسك، التقي الصالح، الذي سيماء
نور قلبه لائح على صفحات وجهه، شرف
الدين محمد بن المنجى.
والسيد الأخ، الفقيه العالم النبيل،
الفاضل فخر المحصلين، زين الدين، عبد
الرحمن بن محمود بن عبيدان البعلبكي.
والسيد الأخ العالم الفاضل، السالك
الناسك، ذي اللب الراجح والعمل
الصالح، والسكينة الوافرة، والفضيلة
الغامرة، نور الدين محمد بن محمد بن
محمد بن الصائغ.
وأخيه السيد الأخ، العالم التقي
الصالح، الخير الدين، العالم الثقة،
الأمين الراجح، ذي السمت الحسن،
والدين المتين، في اتباع السنن، فخر
الدين محمد.
والأخ العزيز الصالح، الطالب لطريق
ربه، والراغب في مرضاته وحبه والعالم
الفاضل، الولد شرف الدين محمد بن سعد
الدين سعدالله ابن نجيح.
وغيرهم من اللائذين بحضرة شيخهم
وشيخنا الإمام، الأمة الهمام، محيي
السنة، وقامع البدعة، ناصر الحديث،
مفتي الفرق، الفائق عن الحقائق،
وموصلها بالأصول الشرعية للطالب
الذائق، الجامع بين الظاهر والباطن،
فهو يقضي بالحق ظاهراً وقلبه في
العلي قاطن، أنموذج الخلفاء
الراشدين، والأئمة المهديين، الذين
غابت عن القلوب سيرهم، ونسيت الأمة
حذوهم وسبلهم، فذكرهم بها الشيخ،
فكان في دارس نهجهم سالكاً، ولموات
حذوهم محيياً، ولأعنة قواعدهم
مالكاً: الشيخ الإمام تقي الدين أبو
العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد
السلام ابن تيمية، أعاد الله علينا
بركته، ورفع إلى مدارج العلى درجته،
وأدام توفيق السادة المبدوّ بذكرهم
وتسديدهم، وأجزل لهم حظهم، ومزيدهم.
السلام عليكم معشر الإخوان ورحمة
الله وبركاته، جعلنا الله وإياكم ممن
ثبت على قرع نوائب الحق جأشه، واحتسب
لله ما بذله من نفسه في إقامة دينه،
وما احتوشته من ذلك وحاشه، واحتذى
حذو السبق الأولين، من المهاجرين
والأنصار، والذين لم تأخذهم في الله
لومة لائم، فما ضرهم من خذلهم ولا من
خالفهم، مع قلة عددهم في أول الأمر،
فكانوا مع ذلك كل منهم مجاهد بدين
الله قائم. ونرجو من كرم الله تعالى
أن يوفقنا لأعمالهم، ويرزق قلوبنا
قسطاً من أحوالهم، وينظمنا في سلكهم،
تحت سجفتهم ولوائهم، مع قائدهم
وإمامهم سيد المرسلين، وإمام
المتقين، محمد صلوات الله عليه وعلى
آله وأصحابه أجمعين.
أذكركم رحمكم الله بما أنتم به
عالمون عملاً بقوله تعالى: {وذكر فإن
الذكرى تنفع المؤمنين}.
وأبدأ من ذلك بأن أوصي نفسي وإياكم
بتقوى الله، وهي وصية الله تعالى
إلينا وإلى الأمم من قبلنا، كما بين
سبحانه وتعالى قائلاً وموصياً: {ولقد
وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم
وإياكم أن اتقوا الله}.
وقد علمتم تفاصيل التقوى على الجوارح
والقلوب، بحسب الأوقات والأحوال: من
الأقوال، والأعمال، والإيرادات،
والنيات.
وينبغي لنا جميعاً أن لا نقنع من
الأعمال بصورها حتى نطالب قلوبنا بين
يدي الله تعالى بحقائقها. ومع ذلك
فلتكن لنا همة علوية، تترامى إلى
أوطان القرب، ونفحات المحبوبية
والحب. فالسعيد من حظي من ذلك بنصيب.
وكان مولاه منه على سائر الأحوال
قريباً بخصوص التقريب.
فيكتسي العبد من ذلك ثمرة الخشية
والتعظيم، للعزيز العظيم، فالحب
والخشية ثابتان في الكتاب العزيز
والسنة المأثورة. قال تعالى: {يحبهم
ويحبونه} (المائدة:54) {والذين آمنوا
أشد حباً لله} (البقرة:165) وقال تعالى: {إنما
يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر:28)
وفي الحديث [أسألك حبك وحب من أحبك
وحب عمل يقربني إلى حبك] (رواه
الترمذي عن ابن عباس في دعاء طويل)
وفي الحديث [لو تعلمون ما أعلم لضحكتم
قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى
الصعدات تجأرون إلى الله] (رواه
الإمام أحمد والبخاري ومسلم
والترمذي والنسائي عن أنس بدون قوله [ولخرجتم
الخ] وهو بهذه الزيادة عند الطبراني
في الكبير والحاكم والبيهقي عن أبي
الدرداء).
ومعلوم أن الناس يتفاوتون في مقامات
الحب والخشية، في مقام أعلى من مقام،
ونصيب أرفع من نصيب، فلتكن همة أحدنا
من مقامات الحب والخشية أعلاه، ولا
يقنع إلا بذروته وذراه، فالهمم
القصيرة تقنع بأيسر نصيب، والهمم
العلية تعلو مع الأنفاس إلى قريب
الحبيب لا يشغلنا عن ذلك ما هو دونه
من الفضائل، والعاقل لا يقنع بأمر
مفضول عن حال فاضل. ولتكن الهمة
منقسمة على نيل المراتب الظاهرة،
وتحصيل المقامات الباطنة. فليس من
الإنصاف الانضباب إلى الظواهر
والتشاغل عن المطالب العلوية ذوات
الأنوار البواهر.
وليكن لنا جميعاً بين الليل والنهار
ساعة، نخلو فيها بربنا جل اسمه
وتعالى قدسه، نجمع بين يديه في تلك
الساعة همومنا، ونطرح أشغال الدنيا
من قلوبنا، فنزهد فيما سوى الله ساعة
من نهار، فبذلك يعرف الإنسان حاله مع
ربه، فمن كان له مع ربه حال، تحركت في
تلك الساعة عزائمه. وابتهجت بالمحبة
والتعظيم سرائره، وطارت إلى العلى
زفراته وكوامنه. وتلك الساعة أنموذج
لحاله العبد في قبره، حين خلوه عن
ماله وحبه. فمن لم يخل قلبه لله ساعة
من نهار، لما احتوشه من الهموم
الدنيوية وذوات الآصار. فليعلم أنه
ليس له ثم رابطة علوية، ولا نصيب من
المحبة ولا المحبوبية، فليبك على
نفسه، ولا يرضى منها إلا بنصيب من قرب
ربه وأنسه.
فإذا حصلت تلك الساعة، أمكن إيقاع
الصلوات الخمس على نمطها من الحضور
والخشوع، والهيبة للرب العظيم في
السجود والركوع فلا ينبغي لنا أن
نبخل على أنفسنا في اليوم والليلة من
أربع وعشرين ساعة بساعة واحدة لله
الواحد القهار، نعبده فيها حق
عبادته، ثم نجتهد على إيقاع الفرائض
على ذلك النهج في رعايته، وذلك طريق
لنا جميعاً إن شاء الله تعالى إلى
النفوذ، فالفقيه إذا لم ينفذ في علمه
حصل له الشطر الظاهر، وفاته الشطر
الباطن. لاتصاف قلبه بالجمود. وبعده
في العبادة والتلاوة عن لين القلوب
والجلود. كما قال تعالى: {تقشعر منه
جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين
جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} (الزمر:23)
وبذلك يرتقي الفقيه عن فقهاء عصرنا.
ويتميز به عنهم، فالنافذ من الفقهاء
له البصيرة المنورة، والذوق الصحيح،
والفراسة الصادقة، والمعرفة التامة،
والشهادة على غيره بصحيح الأعمال
وسقيمها. ومن لم ينفذ لم تكن له هذه
الخصوصية، وأبصر بعض الأشياء وغاب
عنه بعضها.
فيتعين علينا جميعاً طلب النفوذ إلى
حضرة قرب المعبود، ولقائه بذوق
الإيقان، لنعبده كأننا نراه كما جاء
في الحديث (حديث جبريل في سؤاله عن
الإسلام والإيمان والإحسان فقال له [الإحسان
أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن
تراه فإنه يراك] رواه البخاري ومسلم
عن عمر وعن ابنه رضي الله عنهما).
وبعد ذلك الخطوة في هذه الدار بلقاء
رسول الله صلى الله عليه وسلم، غيباً
في غيب، وسراً في سر، بالعكوف على
معرفة أيامه وسننه واتباعها. فتبقى
البصيرة شاخصة إليه، تراه عيانا في
الغيب، كأنها معه صلى الله عليه
وسلم، وفي أيامه. فيجاهد على دينه.
ويبذل ما استطاع من نفسه في نصرته.
وكذلك من سلك في طريق النفوذ يرجى له
أن يلقى ربه بقلبه غيباً في غيب،
وسراً في سر، فيرزق القلب قسطاً من
المحبة والخشية. والتعظيم اليقيني،
فيرى الحقائق بقلبه من وراء ستر رقيق.
وذلك هو المعبر عنه بالنفوذ. ويصل إلى
قلبه من وراء ذلك الستر ما يغمره من
أنوار العظمة والجلال والبهاء
والكمال، فيتنور العلم الذي اكتسبه
العبد. ويبقى له كيفية أخرى زائدة على
الكيفية المعهودة من البهجة
والأنوار والقوة في الاعلان
والأسرار.
فلا ينبغي لنا أن نتشاغل عن نيل هذه
الموهبة السنية، بشواغل الدنيا
وهمومها، فتنقطع بذلك -ما تقدم-
بالشيء المفضول عن الأمر المهم
الفاضل. فإذا سلكنا في ذلك برهة من
الزمان، ورزقنا الله تعالى نفوذاً،
وتمكنا في ذلك النفوذ فلا تعود هذه
العوارض الجزئيات الكونيات تؤثر
فينا إن شاء الله تعالى.
وليكن شأن أحدنا اليوم: التعديل بين
المصالح الدنيوية والفضائل العلمية،
والتوجهات القلبية، ولا يقنع أحدنا
بأحد هذه الثلاثة عن الأخريين.
فيفوته المطلوب. ومتى اجتهد في
التعديل فإنه إن شاء الله تعالى بقدر
ما يحصل للعبد جزء من أحدهم، حصل
جزءاً من الآخر. ثم بالصبر على ذلك
تجتمع الأجزاء المحصلة، فتصير مرتبة
عالية عند النهاية - إن شاء الله
تعالى.
هذا وإن كنتم -أيدكم الله تعالى- بذلك
عالمين، لكن الذكرى تنفع المؤمنين.
ثم
يستطرد الشيخ عماد الدين قائلاً في
رسالته:
واعلموا
-أيدكم الله- أنه يجب عليكم أن تشكروا
ربكم تعالى في هذا العصر، حيث جعلكم
بين جميع أهل هذا العصر كالشامة
البيضاء في الحيوان الأسود. لكن من لم
يسافر إلى الأقطار، ولم يتعرف أحوال
الناس، لا يدري قدر ما هو فيه من
العافية. فأنتم إن شاء الله تعالى في
حق هذه الأمة الأولى كما قال تعالى: {كنتم
خير أمة أخرجت للناس. تأمرون
بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون
بالله} (آل عمران:110) وكما قال تعالى: {الذين
إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة
وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا
عن المنكر ولله عاقبة الأمور} (الحج:41).
أصبحتم إخواني تحت سنجق (أي تحت لوائه
ورايته) رسول الله صلى الله عليه
وسلم، إن شاء الله تعالى، مع شيخكم
وإمامكم، وشيخنا وإمامنا المبدوء
بذكره رضي الله عنه. قد تميزتم عن
جميع أهل الأرض، فقائها وفقرائها،
وصوفيتها، وعوامها: بالدين الصحيح.
وقد عرفتم ما أحدث الناس من الأحداث،
في الفقهاء والفقراء والصوفية
والعوام. فأنتم اليوم في مقابلة
الجهمية من الفقهاء. نصرتم الله
ورسوله في حفظ ما أضاعوه من دين الله،
تصلحون ما أفسدوه من تعطيل صفات الله.
وأنتم أيضاً في مقابلة من لم ينفذ في
علمه من الفقهاء إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وجمد على مجرد تقليد
الأئمة فإنكم قد نصرتم الله ورسوله
في تنفيذ العلم إلى أصوله من الكتاب
والسنة، واتحاد أقوال الأئمة،
تأسياً بهم لا تقليداً لهم.
وأتم أيضاً في مقابلة ما أحدثته
أنواع الفقراء من الأحمدية (أتباع
أحمد الرفاعي البطائحي وسموا أيضاً
بالبطائحية)، والحريرية (فرقة صوفية)،
من إظهار شعار المكاء والتصدية (المكاء
صوت القطط، والتصديد: التصفيق وكان
كفار قلة يطوفون بالبيت ويصفقون
ويصفرون في طوافهم، وشبه الشيخ
الصوفية بذلك لأن أذكارهم برفع
الأصوات لقولهم هوهو. تكون كالمكاء
أو النباح ولأنهم يصفقون في أذكارهم
ويتمايلون ويصرخون)، ومؤاخاة النساء
والصبيان، والأعراض عن دين الله إلى
خرافات مكذوبة عن مشايخهم،
واستنادهم إلى شيوخهم وتقليدهم في
صائب حركاتهم وخطئها، وإعراضهم عن
دين الله الذي أنزله من السماء. فأنتم
بحمد الله تجاهدون هذا الصنف أيضاً
كما تجاهدون من سبق. حفظتم من دين
الله ما أضاعوه. وعرفتم ما جهلوه
تقومون من الدين ما عوجوه، وتصلحون
ما أفسدوه.
وأنتم أيضاً في مقابلة رسمية الصوفية
والفقهاء، وما أحدثوه من الرسوم
الوضعية، والآصار الابتداعية، من
التصنع باللباس، والاطراق والسجادة
لنيل الرزق من المعلوم، ولبس
البقيار، والاكمام الواسعة في حضرة
الدرس، وتنميق الكلام، والعدو بين
يدي المدرس راكعين، حفظاً للمناصب،
واستجلاباً للرزق والادرار.
فحفظ هؤلاء في عبادة الله غيره،
وتألهوا سواه. ففسدت قلوبهم من حيث لا
يشعرون. يجتمعون لغير الله بل
للمعلوم، ويلبسون للمعلوم وكذلك في
أغلب حركاتهم يراعون ولاة المعلوم.
فضيعوا كثيراً من دين الله وأماتوه.
وحفظتم أنتم ما ضيعوه، وقومتم ما
عوجوه.
وكذلك أنتم في مقابلة ما أحدثته
الزنادقة من الفقراء والصوفية من
قولهم بالحلول والاتحاد، وتأله
المخلوقات. كاليونسية، والعربية،
والصدرية، والسبعينية، والتلمسانية.
فكل هؤلاء بدلوا دين الله تعالى
وقلبوه. وأعرضوا عن شريعة رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
فاليونسية يتألهون شيخهم، ويجعلونه
مظهراً للحق، ويستهينون بالعبادات،
ويظهرون بالفرعنة والصولة، والسفاهة
والمحالات، لما وقر في بواطنهم من
الخيالات الفاسدة، وقبلتهم الشيخ
يونس. ورسول الله صلى الله عليه وسلم
والقرآن المجيد عنهم بمعزل، يؤمنون
به بألسنتهم، ويكفرون به بأفعالهم.
وكذلك الاتحادية، يجعلون الوجود
مظهراً للحق، باعتبار أن لا متحرك في
الكون سواه، ولا ناطق في الأشخاص
غيره. وفيهم من لا يفرق بين الظاهر
والمظهر، فيجعل الأمر كموج البحر،
فلا يفرق بين عين الموجة وبين عين
البحر، حتى إن أحدهم يتوهم أنه الله،
فينطق على لسانه، ثم يفعل ما أراد من
الفواحش والمعاصي، لأنه يعتقد
ارتفاع الثنوية فمن العابد ومن
المعبود؟ صار الكل واحداً.
اجتمعنا بهذا الصنف في الربط
والزوايا.
فأنتم بحمد الله قائمون في وجه هؤلاء
أيضاً تنصرون الله ورسوله، وتذبون عن
دينه، وتعملون على إصلاح ما أفسدوا
وعلى تقويم ما عوجوا فإن هؤلاء محوا
رسم الدين، وقلعوا أثره. فلا يقال
أفسدوا ولا عوجوا بل بالغوا في هدم
الدين ومحو أثره. ولا قربة أفضل عند
الله من القيام بجهاد هؤلاء بمهما
أمكن، وتبين مذاهبهم للخاص والعام.
وكذلك جهاد كل من الحد في دين الله
وزاغ عن حدوده وشرعيته. كائنا في ذلك
ما كان من فتنة وقول. كما قيل:
إذا رضي الحبيب فلا أبالي … أقام الحي أم جد الرحيل.
وبالله
المستعان.
وكذلك أنتم بحمد الله قائمون بجهاد
الأمراء والأجناد، تصلحون ما أفسدوا
من المظالم والاجحافات، وسوء السيرة
الناشئة عن الجهل بدين الله، بما
أمكن. وذلك لبعد العهد عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم. لأن اليوم له
سبعمائة سنة، فأنتم بحمد الله تجددون
ما دثر من ذلك واندثر.
وكذلك أنتم بحمد الله قائمون في وجوه
العامة، مما أحدثوا من تعظيم
الميلادة. والقلندس، وخميس البيض.
والشعانين، وتقبيل القبور والأحجار،
والتوسل عندها. ومعلوم أن ذلك كله من
شعائر النصارى والجاهلية. وإنما بعث
رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوحد
الله ويعبد وحده، ولا يأله معه شيء من
مخلوقاته. بعثه الله تعالى ناسخاً
لجميع الشرائع والأديان والأعياد.
فأنتم بحمد الله قائمون بإصلاح ما
أفسد الناس من ذلك.
وقائمون في وجوه من ينصر هذه البدع من
مارقي الفقهاء، أهل الكيد والضرار
لأولياء الله، أهل المقاصد الفاسدة.
والقلوب التي هي عن نصر الحق حائدة.
وإنما أعرض هذا الضعيف عن ذكر قيامكم
في وجوه التتر والنصارى، واليهود،
والرافضة، والمعتزلة، والقدرية،
وأصناف أهل البدع والضلالات لأن
الناس متفقون على ذمهم. يزعمون أنهم
قائمون برد بدعتهم. ولا يقومون
بتوفية حق الرد عليهم كما تقومون. بل
يعلمون ويجبنون عن اللقاء فلا
يجاهدون، وتأخذهم في الله اللائمة.
لحفظ مناصبهم، وإبقاء على أعراضهم.
سافرنا البلاد فلم نر من يقوم بدين
الله في وجوه مثل هؤلاء -حق القيام-
سواكم، فأنتم القائمون في وجوه هؤلاء
إن شاء الله. بقيامكم بنصرة شيخكم
وشيخنا -أيده الله- حق القيام، بخلاف
من ادعى من الناس أنهم يقومون بذلك.
فصبراً يا إخواني على ما أقامكم الله
فيه، من نصرة دينه وتقويم اعوجاجه،
وخذلان أعدائه. واستعينوا بالله، ولا
تأخذكم فيه لومة لائم. وإنما هي أيام
قلائل. والدين منصور. قد تولى الله
اقامته ونصره، ونصرة من قام به من
أوليائه، إن شاء الله، ظاهراً
وباطناً.
وابذلوا فيما أقمتم فيه ما أمكنكم من
الأنفس والأموال، والأفعال،
والأقوال، عسى أن تلحقوا بذلك بسلفكم
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلقد عرفتم ما لقوا في ذات الله، كما
قال خبيب حين صلب على الجذع:
وذلك في ذات الإله، وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد
عرفتم ما لقي رسول الله صلى الله عليه
وسلم من الضر والفاقة في شعب بني
هاشم، وما لقي السابقون الأولون من
التعذيب والهجرة إلى الحبشة، وما لقي
المهاجرون والأنصار في أحد، وفي بئر
معونة، وفي قتال أهل الردة، وفي جهاد
الشام والعراق، وغير ذلك.
وانظروا كيف بذلوا نفوسهم وأموالهم
لله، حبا له، وشوقاً إليه. فكذلك
أنتم، رحمكم الله. كل منكم على قدر
إمكانه واستطاعته، بفعله، وبقوله،
وبخطه، وبقلبه، وبدعائه. كل ذلك جهاد.
أرجو أن لا يخيب من عامل الله بشيء من
ذلك. إذ لا عيش إلا في ذلك، ولو لم يكن
فيه إلا همكم، مزاحمة لأهل الزيغ،
مشوشة لهم، تبغضونهم في الله،
وتطلبون استقامتهم في دين الله. وذلك
من الجهاد الباطن إن شاء الله تعالى.
ثم يستطرد الشيخ علم الدين أيضاً
قائلاً:
ثم اعرفوا إخواني حق ما أنعم الله
عليكم من قيامكم بذلك. واعرفوا
طريقكم إلى ذلك، واشكروا الله تعالى
عليها. وهو أن أقام لكم ولنا في هذا
العصر مثل سيدنا الشيخ الذي فتح الله
به أقفال القلوب، وكشف به عن البصائر
عمى الشبهات وحيرة الضلالات، حيث تاه
العقل بين هذه الفرق، ولم يهتد إلى
حقيقة دين الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن العجب أن كلا منهم يدعي أنه على
دين الرسول، حتى كشف الله لنا ولكم
بواسطة هذا الرجل عن حقيقة دينه الذي
أنزله من السماء وارتضاه لعباده.
واعلموا أن في آفاق الدنيا أقواماً
يعيشون أعمارهم بين هذه الفرق،
يعتقدون أن تلك البدع حقيقة الإسلام.
فلا يعرفون الإسلام إلا هكذا.
فاشكروا الله الذي أقام لكم في رأس
السبعمائة من الهجرة من بين لكم
أعلام دينكم.
وهداكم الله به وإيانا إلى نهج
شريعته. وبين لكم بهذا النور المحمدي
ضلالات العباد وانحرافاتهم، فصرتم
تعرفون الزائغ من المستقيم، والصحيح
من السقيم. وأرجو أن تكونوا أنتم
الطائفة المنصورة. الذين لا يضرهم من
خذلهم ولا من خالفهم. وهم بالشام إن
شاء الله تعالى.
فصل
ثم
إذا علمتم ذلك، فاعرفوا حق هذا الرجل
الذي هو بين أظهركم وقدره، ولا يعرف
حقه وقدره إلا من عرف دين الرسول صلى
الله عليه وسلم وحقه وقدره. فمن وقع
دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
من قلبه بموقع يستحقه، عرف حق ما قام
به هذا الرجل بين أظهر عباد الله،
يقوم معوجهم، ويصلح فسادهم، ويلم
شعثهم، جهد إمكانه، في الزمان
المظلم، الذي انحرف فيه الدين، وجهلت
السنن، وعهدت البدع، وصار المعروف
منكراً، والمنكر معروفاً، والقابض
على دينه، كالقابض على الجمر، فإن
أجر من قام بإظهار هذا النور في هذه
الظلمات لا يوصف، وخطره لا يعرف.
فالله الله في حفظ الأدب معه،
والانفعال لأوامره، وحفظ حرماته في
الغيب والشهادة، وحب من أحبه،
ومجانبة من أبغضه وتنقصه ورد غيبته،
والانتصار له في الحق.
واعلموا رحمكم الله، أن هنا من سافر
إلى الأقاليم، وعرف الناس وأذواقهم
وأشرف على غالب أحوالهم، فوالله، ثم
والله ثم والله، لم ير أديم تحت
السماء مثل شيخكم: علماً، وعملاً،
وحالاً، وخلقاً، واتباعاً، وكرماً
وحلماً. في حق نفسه، وقياماً في حق
الله عند انتهاك حرماته. أصدق الناس
عقداً، وأصلحهم علماً وعزماً،
وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق
وقيامه همة، وأسخاهم كفاً، وأكملهم
اتباعاً لنبيه محمد صلى الله عليه
وسلم.
ما رأينا في عصرنا هذا من تستجلي
النبوة المحمدية وسنتها من أقواله
وأفعاله إلا هذا الرجل. بحيث يشهد
القلب الصحيح أن هذا هو الإتباع
حقيقة.
وبعد ذلك كله فقول الحق فريضة، فلا
ندعي فيه العصمة عن الخطأ، ولا ندعي
إكماله لغايات الخصائص المطلوبة. فقد
يكون في بعض الناقصين خصوصية مقصودة
مطلوبة، لا يتم الكمال إلا بهاتيك
الخصوصية وهذا القدر لا يجهله منصف
عارف. ولولا أن قول الحق فريضة،
والتعصب للإنسان هوى، لأعرضت عن ذكر
هذا -لكن يجب قول الحق- إن ساء أو سر.
والله المستعان.
إذا علمتم ذلك -أيدكم الله تعالى-
فاحفظوا قلبه، فإن مثل هذا قد يدعي
عظيماً في ملكوت السماء. واعملوا على
رضاه بكل ممكن واستجلبوا وده لكم،
وحبه إياكم بمهما قدرتم عليه. فإن مثل
هذا يكون شهيداً، والشهداء في العصر
لمثله، فإن حصلت لكم محبته رجوت لكم
بذلك خصوصية أكتمها ولا أذكرها،
وربما يفطن لها الأذكياء منكم، وربما
سمحت نفسي بذكرها، كيلا أكتم عنكم
نصحي.
وتلك الخصوصية: هي أن ترزقوا قسطاً من
نصيبه الخاص المحمدي مع الله تعالى.
فإن ذلك إنما يسري بواسطة محبة الشيخ
للمريد، واستجلاب المريد محبة الشيخ
بتأتيه معه، وحفظ قلبه وخاطره،
واستجلاب وده ومحبته، فأرجو بذلك لكم
قسطاً مما بينه وبين الله تعالى،
فضلاً عما تكسبونه من ظاهر علمه
وفوائده وسياسته، إن شاء الله تعالى.
وأرجو أنكم إذا فتحتم بينكم وبين
ربكم تعالى بصحيح المعاملة بحفظ تلك
الساعة في الصلوات الخمس والتهجد أن
ينفتح لكم معرفة حقيقة هذا الرجل
ونبأه إن شاء الله تعالى.
وإنما ذكرت حفظ الساعة -وإن كان في
الصلوات الخمس كفاية. إذا قام العبد
فيها لحق الله تعالى- وذلك لأن
الصلوات قد تهجم على العبد وقلبه
مأخوذ في جوانب الظاهر، فلا يعرف
نصيب قلبه من ربه فيها، فإذا كان
للعبد ساعة بين الليل والنهار عرف
فيها نصيب قلبه من ربه، فإذا جاءت
الصلوات، عرف فيها حاله وزيادته
ونقصانه باعتبار حالته مع ربه في تلك
الساعة. وبالله المستعان.
وإذا عرفتم قدر دين الله تعالى الذي
أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم،
وعرفتم قدر حقائق الدين الذي يعبر
عنه بالنفوذ إلى الله تعالى، والحظوة
بقربه. ثم عرفتم اجتماع الأمرين في
شخص معين، ثم عرفتم انحراف الأمة عن
الصراط المستقيم، وقيام الرجل
المعين الجامع الظاهر والباطن في
وجوه المنحرفين، بنصر الله تعالى
ودينه، ويقوم معوجهم، ويلم شعثهم،
ويصلح فاسدهم. ثم سمعتم بعد ذلك طعن
طاعن عليه من أصحابه أو من غيرهم،
فإنه لا يخفى عنكم محق هو، أو مبطل؟
إن شاء الله.
وبرهان ذلك: أن المحق طالب الهدى
والحق بغرض عند من أنكر عليه ذلك
الفعل الذي أنكره، إما بصيغة السؤال
أو الاستفهام بالتلطف عن ذلك النقص
الذي رآه فيه، أو بلغه عنه، فإن وجد
هناك اجتهاداً، أو رأياً أو حجة، قنع
بذلك، وأمسك، ولم يفش ذلك إلى غيره،
إلا مع إقامة ما بينه من الاجتهاد، أو
الرأي، أو الحاجة، ليسد الخلل بذلك.
فمثل هذا يكون طالب هدى، محباً،
ناصحاً، يطلب الحق، ويروم تقويم
أستاذه عن انحرافه بتعريفه وتفويضه.
كما يروم أستاذه تقويمه. كما قال بعض
الخلفاء الراشدين (هو أبو بكر الصديق
رضي الله عنه -كذا في المنقول عنه- أ.هـ
من هامش الأصل وذلك في أول خطبة قام
بها بعد الخلافة ويروى أيضاً عن عمر) -ولا
يحضرني اسمه- "إذا اعوججت فقوموني".
فهذا حق واجب بين الأستاذ والطالب.
فإن الأستاذ يطلب إقامة الحق على
نفسه ليقوم به، ويتهم نفسه أحياناً،
ويتعرف أحواله من غيره، مما عنده من
النصفة وطلب الحق، والحذر من الباطل،
كما يطلب المريد ذلك من شيخه من
التقويم، وإصلاح الفاسد من الأعمال
والأقوال.
ومن براهين المحق: أن يكون عدلاً في
مدحه، عدلاً في ذمه، لا يحمله الهوى -عند
وجود المراد- على الإفراط في المدح،
ولا يحمله الهوى -عند تعذر المقصود-
على نسيان الفضائل والمناقب، وتعديد
المساوئ والمثالب.
فالمحق في حالتي غضبه ورضاه ثابت على
مدح من مدحه وأثنى عليه، ثابت على ذم
من ثلبه وحطط عليه.
وأما من عمل كراسة في عد مثالب هذا
الرجل القائم بهذه الصفات الكاملة
بين أصناف هذا العالم المنحرف، في
هذا الزمان المظلم، ثم ذكر مع ذلك
شيئاً من فضائله، ويعلم أنه ليس
المقصود ذكر الفضائل، بل المقصود تلك
المثالب. ثم أخذ الكراسة يقرؤها على
أصحابه واحداً واحداً في خلوة، يوقف
بذلك همهم عن شيخهم، ويريهم قدحاً
فيه. فإني أستخير الله تعالى وأجتهد
رأيي في مثل هذا الرجل، وأقول
انتصاراً لمن ينصر دين الله، بين
أعداء الله في رأس السبعمائة، فإن
نصره مثل هذا الرجل واجبة على كل مؤمن
كما قال ورقة بن نوفل: "لئن أدركني
يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً" (رواه
البخاري في بدء الوحي) ثم أسأل الله
تعالى العصمة فيما أقول عن تعدي
الحدود والإخلاد إلى الهوى.
أقول:
مثل هذا -ولا أعين الشخص المذكور
بعينه- لا يخلو من أمور:
أحدها:
أن يكون ذا سن تغير رأيه لسنه. لا
بمعنى أن اضطراب بل بمعنى أن السن إذا
كبر يجتهد صاحبه للحق. ثم يضعه في غير
مواضعه. مثلاً يجتهد أن إنكار المنكر
واجب. وهذا منكر. وصاحبه قد راج على
الناس. فيجب على تعريف الناس ما راج
عليهم، وتغيب عليه المفاسد في ذلك.
فمنها: تخذيل الطلبة، وهم مضطرون إلى
محبة شيخهم، ليأخذوا عنه. فمتى تغيرت
قلوبهم عليه ورأوا فيه نقصاً حرموا
فوائده الظاهرة والباطنة. وخيفت
عليهم المقت من الله أولاً. ثم من
الشيخ ثانياً.
المفسدة الثانية: إذا شعر أهل البدع
الذين نحن وشيخنا قائمون الليل
والنهار بالجهاد والتوجه في وجوههم
لنصرة الحق: أن في أصحابنا من ثلب
رئيس القوم بمثل هذا. فإنهم يتطرقون
بذلك إلى الاشتفاء من أهل الحق
ويجعلونه حجة لهم.
المفسدة الثالثة: تعديد المثالب في
مقابلة ما يستغرقها ويزيد عليها
بأضعاف كثيرة من المناقب، فإن ذلك
ظلم وجهل.
والأمر الثاني، من الأمور الموجبة
لذلك: تغير حالة وقلبه. وفساد سلوكه
بجسد كان كامناً فيه. وكان يكتمه برهة
من الزمان. فظهر ذلك الكمين في قالب،
صورته حق ومعناه باطل.
وفي الجملة -أيدكم الله- إذا رأيتم
طاعنا على صاحبكم فافتقدوه في عقله
أولاً، ثم في فهمه، ثم في صدقه، ثم في
سنه. فإذا وجدتم الاضطراب في عقله،
دلكم على جهله بصاحبكم. وما يقول فيه
وعنه. ومثله قلة الفهم. ومثله عدم
الصدق، أو قصوره، لأن نقصان الفهم
يؤدي إلى نقصان الصدق بحسب ما غاب
عقله عنه. ومثله العلو في السن فإنه
يشيخ فيه الرأي والعقل كما تشيخ فيه
القوى الظاهرة الحسية، فاتهموا مثل
هذا الشخص واحذروه، واعرضوا عنه
إعراض مداراة بلا جدل ولا خصومة.
وصفة الامتحان بصحة إدراك الشخص
وعقله وفهمه: أن تسألوه عن مسألة
سلوكية. أو علمية، فإذا أجاب عنها
فأوردوا على الجواب إشكالاً متوجهاً
بتوجيه صحيح، فإن رأيتم الرجل يروح
يميناً وشمالاً، ويخرج عن ذلك المعنى
إلى معان خارجة، وحكايات ليست في
المعنى حتى يتسنى رب المسألة سؤاله،
حيث توهه عنه بكلام لا فائدة فيه،
فمثل هذا لا تعتمدوا على طعنه، ولا
على مدحه، فإنه ناقص الفطرة، كثير
الخيال، لا يثبت على تحري المدارك
العلمية، ولا تنكروا مثل إنكار هذا.
فإنه اشتهر قيام ذي الخويصرة التميمي
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقوله له: "اعدل -فإنك لم تعدل- إن
هذه قسمة لم يرد بها وجه الله تعالى"
أو نحو ذلك.
فوقوع هذا وأمثاله من بعض معجزات
الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قال: [لتركبن
سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة]
وإن كان ذلك في اليهود والنصارى، لكن
لما كانوا منحرفين عن نهج الصواب،
فكذلك يكون في هذه الأمة من يحذو حذو
كل منحرف وجد في العالم، متقدماً كان
أو متأخراً، حذو القذة بالقذة، حتى
لو دخلوا جحر ضب لدخلوه.
يا سبحان الله العظيم، أين عقلاء
هؤلاء؟ أعميت أبصارهم وبصائرهم؟
أفلا يرون ما الناس فيه من العمى
والحيرة في الزمان المظلم المدلهم،
الذي قد ملكت فيه الكفار معظم
الدنيا؟ وقد بقيت هذه الخطة الضيقة،
يشم المؤمنون فيها رائحة الإسلام؟
وفي هذه الخطة الضيقة من الظلمات من
علماء السوء والدعاة إلى الباطل
وإقامته، ودحض الحق وأهله ما لا يحصر
في كتاب. ثم إن الله تعالى قد رحم هذه
الأمة بإقامة رجل قوي الهمة، ضعيف
التركيب، قد فرق نفسه وهمه في مصالح
العالم، وإصلاح فسادهم، والقيام
بمهماتهم، وحوائجهم، ضمن ما هو قائم
بصدد البدع والضلالات، وتحصيل مواد
العلم النبوي الذي يصلح به فساد
العالم، ويردهم إلى الدين الأول
العتيق جهد إمكانه، وإلا فأين حقيقة
الدين العتيق؟
فهو مع هذا كله قائمبجملة ذلك وحده،
وهو منفرد بين أهل زمانه، قليل
ناصره، كثير خاذله، وحاسده، والشامت
فيه!!
فمثل هذا الرجل في هذا الزمان،
وقيامه بهذا الأمر العظيم الخطير فيه.
أيقال له: لم ترد على الأحمدية؟ لم لا
تعدل في القسمة؟ لم تدخل على
الأمراء؟ لم تقرب زيداً وعمراً؟
أفلا يستحي العبد من الله؟ يذكر مثل
هذه الجزئيات في مقابلة هذا العبء
الثقيل؟ ولو حوقق الرجل على هذه
الجزئيات وجد عنده نصوص صحيحة،
ومقاصد صحيحة ونيات صحيحة!! تغيب عن
الضعفاء العقول، بل عن الكمل منهم،
حتى يسمعوها.
أما رده على الطائفة الفلانية أيها
المفرط التائه، الذي لا يدري ما يقول.
أفيقوم دين محمد بن عبد الله الذي
أنزل من السماء، ألا بالطعن على
هؤلاء؟ وكيف يظهر الحق إن لم يخذل
الباطل؟ لا يقول مثل هذا إلا تائه، أو
مسن أو حاسد.
وكذلك القسمة للرجل، في ذلك اجتهاد
صحيح. ونظر إلى مصالح تترتب على إعطاء
قوم دون قوم، كما خص الرسول صلى الله
عليه وسلم الطلقاء بمائة من الإبل،
وحرم الأنصار! حتى قال منهم إحداثهم
شيئاً في ذلك. لاذووا أحلامهم، وفيها
قام ذو الخويصرة فقال ما قال، وأما
دخوله على الأمراء، فلو لم يكن، كيف
كان شم الأمراء رائحة الدين العتيق
الخاص؟ ولو فتش المفتش، لوجد هذه
الكيفية التي عندهم من رائحة الدين،
ومعرفة المنافقين، إنما اقتبسوها من
صاحبكم.
وخاتمة الخير على عمله، وأن يرده عن
انحرافه إلى نهج الصواب، بحيث لا
يبقى معشره يعيبه بعلمه، وتصنيفه، من
أولي العقول والأحكام ونستغفر الله
العظيم، من الخطأ والزلل، في القول
والعمل. والحمد لله وحده، وصلى الله
على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أ.هـ (تمت
هذه الرسالة التي سماها مؤلفها الشيخ
علم الدين رحمه الله التذكرة
والإغيار، والانتصار للأبرار وقد
نقلناها من كتاب العقود الدرية لابن
عبد الهادي من ص291 إلى 321).
الباب العاشر
ابن تيمية: مصنفاته وتآليفه
مصنفات
ابن تيمية تربو على ثلاثمائة مجلد
وقد وزعت مصنفاته على سني عمره فوجد
أنها تبلغ في كل يوم أربعة كراريس،
ولا غرر في ذلك فقد كتب الرسالة
الحموية وهي تقع في نحو سبعين صفحة من
القطع المتوسط في جلسة بين الظهر
والعصر كما قال الذهبي. وكتب أربعة
مجلدات كاملة في الرد على الاخنائي
المالكي في مسألة شد الرحال إلى
زيارة القبور وأربع مجلدات على سؤال
واحد سماه (الجواب الصحيح لمن بدل دين
المسيح). وهذه طائفة من تصانيفه كما
ذكرها ابن رجب. قال:
وأما تصانيفه رحمه الله: فهي أشهر من
أن تذكر، واعرف من أن تنكر. سارت مسير
الشمس في الأقطار، وامتلأت بها
البلاد والأمصار. قد جاوزت حد
الكثرة، فلا يمكن أحد حصرها، ولا
يتسع هذا المكان لعد المعروف منها،
ولا ذكرها.
ولنذكر نبذة من أسماء أعيان المصنفات
الكبار: كتاب (الإيمان) مجلد، كتاب (الاستقامة)
مجلدان (جواب الاعتراضات المصرية على
الفتاوي الحموية)، أربع مجلدات، كتاب
(تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم
الكلامية) في ست مجلدات كبار، كتاب (المحنة
المصرية) مجلدان (المسائل
الاسكندرانية) مجلد (الفتاوى المصرية)
سبع مجلدات.
وكل هذه التصانيف ما عدا كتاب (الإيمان)
كتبه وهو بمصر في مدة سبع سنين صنفها
في السجن. وكتب معها أكثر من مائة لفة
ورق أيضاً، كتاب (درء تعارض العقل
والنقل) أربع مجلدات كبار. والجواب
عما أورده للشيخ كمال الدين بن
الشربشي على هذا الكتاب، نحو مجلد
كتاب (منهاج السنة النبوية في نقض
كلام الشيعة والقدرية) أربع مجلدات (الجواب
الصحيح لمن بدل دين المسيح) مجلدان (شرح
أول المحصل للرازي) مجلد (شرح بضعة
عشر مسألة من الأربعين للرازي)
مجلدان (الرد على المنطق) مجلد كبير (الرد
على البكري في مسألة الاستغاثة) مجلد
(الرد على أهل كسروان الروافض) مجلدان
(الصفدية)، جواب من قال: إن معجزات
الأنبياء قوى نفسانية مجلد (الهلاونية)
مجلد (شرح عقيدة الأصبهاني) مجلد (شرح
العمدة) للشيخ موفق الدين. كتب منه
نحو أربع مجلدات (تعليقة على المحرر)
في الفقه لجده عدة مجلدات (الصارم
المساول على شاتم الرسول) مجلد (بيان
الدليل على بطلان التحليل) مجلد (اقتضاء
الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب
الجحيم) مجلد (التحرير في مسألة حفير)
مجلد في مسألة من القسمة، كتبها
اعتراضاً على الخوى في حادثة حكم
فيها (الرد الكبير على من اعترض عليه
في مسألة الحلف بالطلاق) ثلاث
مجلدات، كتاب (تحقيق الفرقان بين
التطليق والأيمان) مجلد كبير (الرد
على الأخنائي في مسألة الزيارة) مجلد.
وأما القواعد المتوسطة والصغار
وأجوبة الفتاوي: فلا يمكن الإحاطة
بها، لكثرتها وانتشارها وتفرقها. ومن
أشهرها (الفرقان بين أولياء الرحمن
وأولياء الشيطان) مجلد لطيف (الفرقان
بين الحق والبطلان) مجلد لطيف (الفرقان
بين الطلاق والأيمان) مجلد لطيف (السياسة
الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)
مجلد لطيف (رفع الملام عن الأئمة
الأعلام) مجلد لطيف.
*السبب
في إكثاره في الأصول:
قال الحافظ أبو حفص عمر بن علي البزار
المتوفى سنة 749-تلميذ شيخ الإسلام:
"ولقد
أكثر رضي الله عنه التصنيف في الأصول
فضلاً عن غيره من بقية العلوم فسألته
عن سبب ذلك والتمست منه تأليف نص في
الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته
ليكون عمدة في الإفتاء. فقال لي ما
معناه: الفروع أمرها قريب، فإذا قلد
المسلم فيها أحد العلماء المقلدين
جاز له العمل بقوله، ما لم يتيقن خطأه.
وأما الأصول فإني رأيت أهل البدع
والضلالات والأهواء كالمتفلسفة
والباطنية والملاحدة، والقائلين
بوحدة الوجود، والدهرية، والقدرية
والنصيرية والجهمية والحلولية
والمعطلة، والمجسمة والمشبهة
والراوندية والكلابية والسلمية
وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا
فيها، بأزمة الضلال، وبان لي أن
كثيراً منهم إنما قصد إبطال الشريعة
المقدسة المحمدية، الظاهرة على كل
دين، العلية. وأن جمهورهم أوقع الناس
في التشكيك في أصول دينهم، ولهذا قل
أن سمعت أو رأيت معرضاً عن الكتاب
والسنة، مقبلاً على مقولاتهم إلا وقد
تزندق أو صار على غير يقين في دينه أو
اعتقاده. فلما رأيت الأمر على ذلك بان
لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع
شبههم وأباطيلهم وقطع حجتهم
وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف
رذائلهم. وزيف دلائلهم ذبا عن الملة
الحنيفية، والسنة الصحيحة الجلية.
ولا والله ما رأيت فيهم أحداً ممن صنف
في هذا الشأن، وادعى علو المقام، إلا
وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد
دين الإسلام. وسبب ذلك إغضاؤه عن الحق
الواضح المبين، وعن ما جاءت به الرسل
الكرام عن رب العالمين، وأتباعه طرق
الفلسفة في الاصطلاحات التي سموها
بزعمهم حكميات وعقليات، وإنما هي
جهالات وضلالات، وكونه التزمها
معرضاً عن غيرها أصلاً ورأساً. فغلبت
عليه حتى غطت على عقله السليم فتخبط
حتى خبط فيها خبط عشواء، ولم يفرق بين
الحق والباطل، وإلا فالله أعظم لطفاً
بعباده من أن لا يجعل لهم عقلاً يقبل
الحق ويثبته، ويبطل الباطل وينفيه.
لكن عدم التوفيق وغلبة الهوى أوقع من
أوقع في الضلال. وقد جعل الله تعالى
العقل السليم من الشوائب ميزاناً يزن
به العبد الواردات فيفرق به بين ما هو
من قبيل الحق، وما هو من قبيل الباطل.
ولم يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي
العقل، ولم يقع التكليف إلا مع
وجوده، فكيف يقال إنه مخالف لبعض ما
جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى؟
هذا باطل قطعاً يشهد له كل عقل سليم،
لكن {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له
من نور} (النور:40).
قال الشيخ الإمام قدس الله روحه: فهذا
ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جل همي
إلى الأصول، وألزمني أن أوردت
مقالاتهم وأجبت عنها بما أنعم الله
تعالى به من الأجوبة العقلية
والنقلية".
الباب الحادي عشر
تحقيق القول في مسألة خلود الجنة والنار
ذكرت
في المقدمة أن السبب الذي حداني أن
أجمع هذه الرسالة هو اتهام ذلك
الأستاذ للامام شيخ الإسلام ابن
تيمية أنه خالف الإجماع لأنه قال
بفناء نار الآخرة.
والحقيقة أن الامام ابن تيمية نفسه
ليس له قول صريح في هذا بل أقواله في
الفتاوي أن الجنة والنار مخلوقتان
باقيتان لا تفنيان، وأما الذي قال
صراحة بفناء النار فهو الإمام ابن
القيم تلميذ الشيخ ابن تيمية وقد كتب
في هذا فصلاً مطولاً جداً في كتابه
الفريد (حادي الأرواح إلى بلاد
الأفراح) وقد استدل لقوله الذي رجحه
هذا بأنه هو المنقول عن عامة الصحابة
وجمهور التابعين، وأنه لا يذكر
للصحابة قول مخالف وقد كتب أيضاً ابن
أبي العز الحنفي رحمه الله في هذه
المسألة فصلاً في شرح العقيدة
الطحاوية بين فيه مذاهب المسلمين في
هذه القضية حيث يقول:
"وأما أبدية النار ودوامها،
فللناس في ذلك ثمانية أقوال: أحدهما:
أن من دخلها لا يخرج منها أبداً
الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة.
والثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم
تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة النارية
يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم! وهذا
قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي!!
الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت
محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها
قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود
للنبي صلى الله عليه وسلم، وأكذبهم
فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز
من قائل: {وقالوا لن تمسنا النار إلا
أياماً معدودة، قل أتخذتم عند الله
عهداً فلن يخلف الله عهده، أم تقولون
على الله ما لا تعلمون. بلى من كسب
سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب
النار هم فيها خالدون} (البقرة:80-81).
الرابع: يخرجون منها، وتبقى على
حالها ليس فيها أحد. الخامس: أنها
تفني نفسها بنفسها، لأنها حادثة وما
ثبت حدوثه استحال بقاءه!! وهذا قول
الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك
بين الجنة والنار، كما تقدم. السادس:
تفنى حركات أهلها ويصيرون جماداً، لا
يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل
العلاف كما تقدم. السابع: أن الله
يخرج منها من يشاء، كما ورد في
الحديث، ثم يبقيها شيئاً، ثم يفنيها،
فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه. الثامن:
أن الله تعالى يخرج منها من شاء، كما
ورد في السنة، ويبقي فيها الكفار،
بقاء لا انقطاع له، كما قال الشيخ
رحمه الله. وما عدا هذين القولين
الأخيرين ظاهر البطلان.
وهذان القولان لأهل السنةينظر في
أدلتهما.
فمن أدلة القول الأول منهما: قوله
تعالى: {قال النار مثواكم خالدين فيها
إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} (الأنعام:128).
وقوله تعالى: {فأما الذين شقوا ففي
النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين
فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما
شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} (هود:106-107).
ولم يأت بعد هذين الاستثنائين ما اتى
بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة،
وهو قوله: {عطاء غير مجذوذ} (هود:108).
وقوله تعالى: {لابثين فيها أحقاباً} (النبأ:23)
وهذا القول، -أعني القول بفناء النار
دون الجنة- منقول عن عمر، وابن مسعود،
وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهم. وقد
روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور،
بسنده إلى عمر رضي الله عنه، أنه قال:
"لو لبث أهل النار في النار كقدر
رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت
يخرجون فيه" (قال ناصر الدين
الألباني ضعيف، لأنه من روايته عن
الحسن قال: قال عمر. والحسن لم يدرك
عمر رضي الله عنه. وقال ابن القيم في (حادي
الأرواح) (2/71 طبع الكردي) عقبه: والحسن
لم يسمع من عمر. ومع ذلك فقد حاول
تقويته بكلام خطابي، لا غناء فيه (راجع
المستدرك) وقد روي نحوه عن عبد الله
بن عمرو موقوفاً بسند ضعيف، وعن ابي
امامة مرفوعاً بسند فيه تآلف، وقد
تكلمت عليه في (سلسلة الأحاديث
الضعيفة والموضوعة) ضمن المائة
السابعة)، ذكر ذلك في قوله تعالى: {لابثين
فيها أحقاباً} (النبأ:23). قالوا:
والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: [لما قضى
الله الخلق، كتب كتاباً، فهو عنده
فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي] (متفق
عليه). وفي رواية: [تغلب غضبي]. رواه
البخاري في (صحيحه) من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه. قالوا: والله سبحانه
يخبر عن العذاب أنه: {عذاب يوم عظيم} (الأنعام:15).
و {أليم} (هود:26). و {عقيم} (الحج:55). ولم
يخبر ولا في موضع أحد عن النعيم أنه
نعيم يوم. وقد قال تعالى: {عذابي أصيب
به من أشاء، ورحمتي وسعت كل شيء} (الأعراف:155).
وقال تعالى حكاية عن الملائكة: {ربنا
وسعت كل شيء رحمة وعلماً} (غافر:7)، فلا
بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو
بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم
رحمته. وقد ثبت في (الصحيح) تقدير يوم
القيامة بخمسين ألف سنة (أخرجه مسلم
في حديث لأبي هريرة في عقوبة مانع
الزكاة يوم القيامة. وفي الباب عن ابن
عمرو عند الحاكم (4/572) وصححه ووافقه
الذهبي)، والمعذبون فيها متفاوتون في
مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم،
وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة
أرحم الراحمين أن يخلق خلقاً يعذبهم
أبد الآباد عذاباً سرمداً لا نهاية
له. وأما أنه يخلق خلقاً ينعم عليهم
ويحسن إليهم نعيماً سرمداً، فمن
مقتضى الحكمة. والإحسان مراد لذاته،
والانتقام مراد بالعرض. قالوا: وما
ورد من الخلود فيها، والتأييد، وعدم
الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام:
كله حق مسلم، لا نزاع فيه، وذلك يقتضي
الخلود في دار العذاب ما دامت باقية،
وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل
التوحيد. ففرق بين من يخرج من الحبس
وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه
بخراب الحبس وانتقاضه.
ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم
فنائها: قوله: {ولهم عذاب مقيم} (المائدة:40)،
{لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون} (الزخرف:43)،
{فلن نزيدكم إلا عذاباً} (النبأ:30)، {خالدين
فيها أبداً} (البينة:8)، {وما هم منها
بمخرجين} (الحجر:48) (هذه الآية في أهل
الجنة فلعله اراد آية المائدة (وما هم
بخارجين منها)، {وما هم بخارجين من
النار} (البقرة:167)، {لا يدخلون الجنة
حتى يلج الجمل في سم الخياط} (الأعراف:40)،
{لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف
عنهم من عذابها} (فاطر:36).
{إن عذابها كان غراماً} (الفرقان:65)،
أي مقيماً لازماً. وقد دلت السنة
المستفيضة أنه يخرج من النار من قال:
لا إله إلا الله: وأحاديث الشفاعة
صريحة في خروج عصاة الموحدين من
النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج
الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم
يختص الخروج بأهل الإيمان. وبقاء
الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء
الله لهما". أ.هـ منه بلفظه.
وهكذا يتبين من هذا النقل أن علماء
أهل السنة في هذه المسألة على قولين
وأن المنقول عن بعض خيار الصحابة هو
القول بفناء النار في نهاية الأمر،
دون الجنة. فإنهم مجمعون على بقائها
بقاءاً سرمدياً.
* ولأهمية البحث الذي كتبه ابن القيم
رحمه الله حول هذه القضية ننقله
بنصوصه من كتابه حادي الأرواح ليتبين
لقارئ هذه الرسالة منزلة هذين
الإمامين في العلم الشرعي وتحري الحق
ومعرفة الدليل والوقوف عند أقوال
السلف وأنهما لا يقولان قولاً لم
يسبقا إليه وأن ابن القيم تلميذ شيخ
الإسلام إنما هو قبس من نور شيخ
الإسلام وشعلة من ناره ولذلك قال ابن
حجر رحمه الله لو لم يكن من فضل لابن
تيمية إلا تلميذه ابن القيم لكفى:
والآن إلى تحقيق ابن القيم الفريد في
مسألة خلود الجنة والنار.
علماً أن جامع هذه الرسالة لا يذهب
إلى ما ذهب إليه ابن القيم في المسألة
وإنما ننقل ما ذكره ابن القيم هنا
لبيان أنه متأول للنصوص القرآنية
وناقل عن سلف له، وليس متحكماً برأيه
وهواه. ولكننا مع ذلك نرى أن الأسلم
هو الإيمان بخلود النار أيضاً خلوداً
سرمدياً لأن هذا هو الذي يتماشى مع
ظاهر النصوص، ولا يجوز لنا التحول عن
هذا الظاهر إلا بدليل شرعي ظاهر قوي،
ويبدو أن هذا الدليل ليس موجوداً هنا.
والله تعالى أعلم وعلى كل حال فهذه
المسألة لا ينبني عليها عمل ومن
الأفضل ترك تفصيل القول فيها.. وهذا
هو ما حققه ابن القيم في هذه المسألة:
قال:
الباب السابع والستون
في أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد:
وهذا
مما يعلم بالاضطرار أن الرسول صلى
الله عليه وسلم أخبر به قال تعالى: {وأما
الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها
ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء
ربك عطاء غير مجذوذ} (هود:108، (22-حادي
الأرواح))، أي مقطوع. ولا تنافي بين
هذا وبين قوله إلا ما شاء ربك. واختلف
السلف في هذا الاستثناء. فقال معمر عن
الضحاك: هو في الذين يخرجون من النار
فيدخلون الجنة يقول سبحانه: إنهم
خالدون في الجنة ما دامت السموات
والأرض إلا مدة مكثهم في النار.
قلت:
وهذا يحتمل أمرين:
أحدهما:
أن يكون الإخبار عن الذين سعدوا وقع
عن قوم مخصوصين هم هؤلاء.
والثاني: وهو الأظهر أن يكون وقع عن
جملة السعداء والتخصيص بالمذكورين
هو في الاستثناء وما دل عليه. وأحسن
من هذين التقديرين أن ترد المشيئة
إلى الجميع حيث لم يكونوا في الجنة في
الموقف. وعلى هذا فلا يبقى في الآية
تخصيص. وقالت فرقة أخرى: هو استثناء
استثناه الرب تعالى ولا يفعله كما
تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير
ذلك وأنت لا تراه. بل تجزم بضربه.
وقالت فرقة أخرى: العرب إذا استثنت
شيئاً كثيراً مع مثله ومع ما هو أكثر
منه، كان معنى إلا في ذلك ومعنى الواو
سواء والمعنى على هذا سوى ما شاء الله
من الزيادة مدة دوام السموات والأرض.
هذا قول الفراء وسيبويه: يجعل إلا
بمعنى سوى قالوا: ونظير ذلك أن تقول:
لي عليك ألف إلا الألفين الذين قبلها
أي سوى الألفين. قال ابن جرير: وهذا هو
أحب الوجهين إلي، لأن الله تعالى لا
خلف لوعده وقد وصل الاستثناء بقوله {عطاء
غير مجذوذ}.
قالوا: ونظير أن نقول: أسكنتك داري
حولا إلا ما شئت أي سوى ما شئت من
الزيادة عليه.
وقالت فرقة أخرى: هذا الاستثناء إنما
هو مدة احتباسهم عن الجنة ما بين
الموت والبعث وهو البرزخ إلى أن
يصيروا إلى الجنة ثم هو خلود الأبد
فلم يغيبوا عن الجنة إلا بمقدار
إقامتهم في البرزخ. وقالت فرقة أخرى:
العزيمة قد وقعت لهم من الله بالخلود
الدائم إلا أن يشاء الله خلاف ذلك
إعلاماً لهم بأنهم مع خلودهم في
مشيئته هذا كما قال لنبيه {ولئن شئنا
لنذهبن بالذي أوحينا إليك} (الإسراء:86)،
وقوله {فإن يشأ الله يختم على قلبك} (الشورى:24)،
وقوله {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم}
(يونس:16)، ونظائره وأخبر عباده سبحانه
أن الأمور كلها بمشيئته ما شاء كان
وما لم يشأ لم يكن.
وقالت فرقة أخرى: المراد بمدة دوام
السموات والأرض في هذا العالم فأخبر
سبحانه أنهم خالدون في الجنة مدة
دوام السماوات والأرض إلا ما شاء
الله أن يزيدهم عليه. ولعل هذا قول من
قال أن إلا بمعنى سوى ولكن اختلف
عبارته وهذا اختيار ابن قتيبة. قال:
المعنى خالدين فيها مدة العالم سوى
ما شاء أن يزيدهم من الخلود على مدة
العالم وقالت فرقة أخرى: ما بمعنى من
قوله {فانكحا ما طاب لكم من النساء} (النساء:3)
والمعنى إلا من شاء ربك أن يدخله
النار بذنوبه من السعداء والفرق بين
هذا القول وبين أول الأقوال: أن
الاستثناء على ذلك القول من المدة
وعلى هذا القول من الأعيان.
وقالت فرقة أخرى: المراد بالسموات
والأرض سماء الجنة وأرضها، وهما
باقيتان أبداً وقوله: {إلا ماشاء ربك}
إن كانت ما بمعنى من فهم الذين يدخلون
النار ثم يخرجون منها، وإن كانت
بمعنى الوقت فهو مدة احتسابهم في
البرزخ والموقف، قال الجعفي: سألت
عبد الله بن وهب عن هذا الاستثناء،
فقال سمعت فيه أنه قدر وقوفهم في
الموقف يوم القيامة إلى أن يقضي بين
الناس.
وقالت فرقة أخرى: الاستثناء راجع إلى
مدة لبثهم في الدنيا وهذه الأقوال
متقاربة ويمكن الجمع بينها بأن يقال
أخبر سبحانه عن خلودهم في الجنة كل
وقت إلا وقتا يشاء أن يكونوا فيها
وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي
البرزخ وفي موقف القيامة وعلى
الصراط، وكون بعضهم في النار مدة
وعلي كل تقدير فهذه الآية من
المتشابه وقوله فيها {عطاء غير مجذوذ}
محكم وكذلك قوله {إن هذا لرزقنا ما له
من نفاد} وقوله {أكلها دائم وظلها}
وقوله {وما هم منها بمخرجين}.
وقد أكد الله سبحانه خلود أهل الجنة
بالتأييد في عدة مواضع من القرآن
وأخبر أنهم لا يذوقون فيها الموت إلا
الموتة الأولى. وهذا الاستثناء منقطع
وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله {إلا
ما شاء ربك} تبين لك المراد من
الآيتين واستثناء الوقت الذي لم
يكونوا في الجنة من مدة الخلود
كاستثناء الموتة الأولى من جملة
الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم
الأبدية. وذلك مفارقة للجنة تقدم على
خلودهم فيها. وبالله التوفيق.
وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه
وسلم [من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس،
ويخلد ولا يموت] وقوله [ينادي مناد يا
أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا
أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً
وأن تحيوا فلا تموتوا أبداً].
وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد
الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: [يجاء بالموت في صورة كبش
أملح فيوقف بين الجنة ثم يقال: يا أهل
الجنة فيطلعون مشفقين ويقال: يا أهل
النار فيطلعون فرحين فيقال هل تعرفون
هذا فيقولون: نعم هذا الموت فيذبح بين
الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة
خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا
موت].
فصل
وهذا
موضع اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة
أقوال:
أحدهما: أن الجنة والنار فانيتان غير
أبديتين بل كما هما حادثتان فهما
فانيتان.
والقول الثاني: أنهما باقيتان
دائمتان لا يفنيان أبداً.
والقول الثالث: إن الجنة باقية أبدية
والنار فانية، ونحن نذكر هذه الأقوال
وما قابلها وما احتج به أرباب كل قول،
ونرد ما خالف كتاب الله وسنة رسوله.
فأما القول بفنائهما فهو قول قاله
جهم بن صفوان إمام المعطلة الجهمية،
وليس له فيه سلف قط من الصحابة ولا من
التابعين ولا أحد من أئمة الإسلام
ولا قال به أحد من أهل السنة. وهذا
القول مما أنكره عليه وعلى أتباعه
أئمة الإسلام وكفروهم به وصاحوا بهم
من أقطار الأرض، كما ذكره عبد الله
ابن الإمام أحمد في كتاب السنة عن
خارجة بن مصعب أنه قال: كفرت الجهمية
بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل، بقول
الله سبحانه وتعالى: {أكلها دائم
وظلها} (الرعد:35) وهم يقولون لا يدوم،
وبقول الله تعالى: {إن هذا لرزقنا ما
له من نفاذ} (ص:54) وهم يقولون ينفد،
ويقول الله عز وجل {ما عندكم ينفد وما
عند الله باق} (النحل:96).
قال شيخ الإسلام: وهذا قاله جهم لأصله
الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا
يتناهى من الحوادث وهو عمدة أهل
الكلام التي استدلوا بها على حدوث
الأجسام وحدوث ما لم يحل من الحوادث
وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم،
فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا
أول لها في الماضي يمنع في المستقبل
فداوم الفعل ممتع عنده على الرب
تبارك وتعالى في المستقبل، كما هو
ممتنع عنده عليه في الماضي.
وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة
وافقه على هذا الأصل، لكن قال: إن هذا
يقتضي فناء الحركات لكونها متعاقبة
شيئاً بعد شيء. فقال بفناء حركات أهل
الجنة والنار حتى يصيروا في سكون
دائم لا يقدر أحد منهم على حركة،
وزعمت فرقة ممن وافقهم على امتناع
حوادث لا نهاية لها أن هذا القول
مقتضى العقل، لكن لما جاء السمع
ببقاء الجنة والنار قلنا بذلك، وكأن
هؤلاء لم يعلمون ما كان ممتعاً في
العقل لا يجيء الشرع بوقوعه إذ
يستحيل عليه أن يخبر بوجودها ما هو
ممتنع في العقل وكأنهم لم يفرقوا بين
مجالات العقول ومجازاتها، فالسمع
يجيء بالثاني لا بالأول فالسمع يجيء
بما يعجز العقل عن إدراكه ولا يستقل
به ولا يجيء بما يعلم العقل إحالته.
والأكثرون الذين وافقوا جهماً وأبا
الهذيل على هذا الأصل فرقوا بين
الماضي والمستقبل، وقالوا: الماضي قد
دخل في الوجود بخلاف المستقبل،
والممتنع إنما هو دخول ما لا يتناهى
في الوجود لا تقدير دخوله شيئاً بعد
شيء. قالوا: وهذا نظير أن يقول القائل:
لا أعطيك درهماً إلا وأعطيك بعده
درهماً آخر فهذا ممكن، والأول نظير
أن يقول: لا أعطيك درهماً إلا وأعطيك
قبله درهماً فهذا محال، وهؤلاء عندهم
وجود مالا يتناهى في الماضي محال
ووجوده في المستقبل واجب، ونازعهم في
ذلك آخرون فقالوا: بل الأمر في الماضي
كهو في المستقبل ولا فرق بينهما، بل
الماضي والاستقبال أمر نسبي فكل ما
يكون مستقبلاً يصير ماضياً وكل ماض
فقد كان مستقبلاً فلا يعقل إمكان
الدوام في أحد الطرفين وإحالته في
الطرف الآخر.
قالوا: وهذه مسألة دوام فاعلية الرب
تبارك وتعالى وهو لم يزل رباً قادراً
فعالاً فإنه لم يزل عليماً قديراً،
ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعاً
عليه لذاته، ثم ينقلب فيصير ممكناً
لذاته من غير تجديد شيء وليس للازم حد
محدود حتى يصير الفعل ممكناً عند ذلك
الحد ويكون قبله ممتنعاً عليه فهذا
القول تصوره كاف في الجزم بفساده
ويكفي في فساده أن الوقت الذي انقلب
فيه من الإحالة الذاتية إلى الإمكان
الذاتي أما أن يصح أن يفرض قبله وقت
يمكن فيه الفعل أو لا يصح.
فإن قلتم لا يصح كان هذا تحكماً غير
معقول وهو من جنس الهوس، وإن قلتم يصح:
قيل وكذلك ما يفرض قبله لا إلى غاية،
فما من زمن محقق أو مقدار إلا والفعل
ممكن فيه وهو صفة كمال وإحسان ومتعلق
حمد رب تعالى وربوبيته وملكه وهو لم
يزل رباً حميداً ملكاً قادراً لم
تتجدد له هذه الأوصاف كما أنه لم يزل
حياً مريداً عليماً. والحياة
والإرادة والعلم والقدرة تقضي
آثارها ومتعلقاتها، فكيف يعقل حي
قدير عليم مريد ليس له مانع ولا قاهر
يقهره يستحيل عليه أن يفعل شيئاً
البتة؟
وكيف يجعل هذا أصل من أصول الدين
ويجعل معياراً على ما أخبر الله به
ورسوله ويفرق به بين جائزات العقول
ومحالاتها؟ فإذا كان هذا شأن الميزان
فكيف يستقيم الموزون به، وأما قول من
فرق بأن الماضي قد دخل في الوجود دون
المستقبل فكلام لا تحقيق وراءه، فإن
الذي يحضره الوجود من الحركات هو
المتناهي ثم يعدم فيصير ماضياً، كما
معدوماً لما كان مستقبلاً فوجوده بين
عدمين وكلما انتقضت جملة حدثت بعدها
جملة أخرى، فالذي صار ماضياً هو
بعينه الذي كان مستقبلاً فإن الدليل
على امتناع مالا يتناهى شيئاً قبل
شيء فهو بعينه، دل على امتناعه شيئاً
بعد شيء.
وأما تفريقكم بقولكم المستقبل نظير
قوله: ما أعطيك درهماً إلا وأعطيك
قبله درهما، فهذا ممكن. والماضي نظير
قوله ما أعطيك درهماً إلا وأعطيك
قبله درهماً، فهذا الفرق فيه تلبيس
لا يخفى وليس بنظير ما نحن فيه بل
نظيره أن يقول ما أعطيك درهماً إلا
وقد تقدم مني إعطاء درهم قبله. فهذا
ممكن الدوام في الماضي على حد إمكانه
في المستقبل ولا فرق في العقل الصحيح
بينهما البتة، ولما لم يجد الجهم
وأبو الهذيل وأتباعهما بين الأمرين
فرقاً قالوا: بوجوب تناهي الحركات في
المستقبل كما يجب ابتداؤها عندهم في
الماضي.
وقال أهل الحديث بل هما سواء في
الإمكان والوقوع ولم يزل الرب سبحانه
وتعالى فعالاً لما يريد ولم يزل
موصوفاً بصفات الكمال منعوتاً بنعوت
الجلال. وليس المتمكن من الفعل كل وقت
كالذي لا يمكنه الفعل إلا في وقت معين
وليس من يخلق كمن لا يخلق، ومن يحسن
كمن لا يحسن، ومن يدبر الأمر كمن لا
يدبر، وأي كمال في أن يكون رب
العالمين معطلاً عن الفعل في مدة
مقدرة أو محققة لا تتناهى يستحيل منه
الفعل وحقيقة ذلك أنه لا يقدر عليه.
وإن أبيتم هذا الإطلاق وقلتم إن
المحال لا يوصف بكونه غير مقدور
عليه، فجمعتم بين محالين الحكم
بإباحة الفعل من غير موجب لإحالته
وانقلابه من الإحالة الذاتية إلى
الإمكان الذاتي من غير تجدد سبب
وزعمتم أن هذا هو الأصل الذي تثبتون
به وجود الصانع وحدوث العالم وقيامة
الأبدان فجنيتم على العقل والشرع،
والرب تعالى لم ينزل قادراً على
الفعل والكلام بمشيئته ولم يزل
فعالاً لما يريد ولم يزل رباً محسناً.
والمقصود: أن القول بفناء الجنة
والنار قول مبتدع لم يقله أحد من
الصحابة ولا التابعين ولا أحد من
أئمة المسلمين. والذين قالوه إنما
تلقوه عن قياس فاسد كما اشتبه أصله
على كثير من الناس فاعتقدوه حقاً
وبنوا عليه القول بخلق القرآن ونفي
الصفات وقد دل القرآن والسنة والعقل
الصريح على أن كلمات الله وأفعاله لا
تتناهى ولا تنقطع بآخر ولا تحد بأول
قال تعالى: {قل لو كان البحر مداداً
لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد
كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً} (الكهف:109).
وقال تعالى: {ولو أنما في الأرض من
شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة
أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز
حكيم} (لقمان:27)، فأخبر عن عدم نفاذ
كلماته لعزته وحكمته وهذان وصفان
ذاتيان له سبحانه وتعالى لا يكون إلا
كذلك.
وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره عن
سليمان بن عامر قال: سمعت الربيع بن
أنس يقول إن مثل علم العباد كلهم في
علم الله عز وجل كقطرة من هذه البحور
كلها وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في
ذلك {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام}
- الآية.
وقوله {قل لو كان البحر مداداً} -
الآية، يقول سبحانه وتعالى قل لو كان
البحر مداداً لكلمات الله والشجر
كلها أقلام لانكسرت الأقلام وفني ماء
البحر وكلمات الله تعالى باقية لا
يفنيها شيء لأن أحداً لا يستطيع أن
يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي بل
هو كما أثنى على نفسه إن ربنا كما
يقول وفوق ما يقول، ثم إن مثل نعيم
الدنيا أوله وآخره في نعيم الآخرة
كحبة من خردل في خلال الأرض كلها.
فصل
وأما
أبدية النار ودوامها فقال فيها شيخ
الإسلام: فيها قولان معروفان عن
السلف والخلف والنزاع في ذلك معروف
من التابعين، وقلت: ههنا أقوال سبعة:
أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها
أبداً بل من دخلها خلد فيها أبد
الآباد بإذن الله، وهذا قول الخوارج
والمعتزلة.
والثاني: أن أهلها يعذبون فيها مدة ثم
تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم
يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم،
وهذا قول إمام الإتحادية ابن عربي
الطائي.
قال في فصوصه: الثناء بصدق الوعد لا
يصدق الوعيد والحضرة الإلهية تطلب
الثناء المحمود بالذات، فيثني عليها
بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل
بالتجاوز {فلا تحسبنّ الله مخلف وعده
رسله} (إبراهيم:47)، لم يقل وعيده بل
قال {ونتجاوز عن سيئاتهم} (الأحقاف:16)،
مع أنه توعد على ذلك، وأثنى على
إسماعيل بأنه كان صادق الوعد وقد زال
الإمكان في حق الحق من طلب المرجح:
فلم يبق إلا صادق الوعد وحده … وما لوعيد الحق عين تعايـن
إن دخلوا دار الشقاء فإنهــم … على لذة فيها نعيــم مبايـن
نعيم جنان الخلد والأمر واحد ... وبينهما عند التجلـي تبايــن
يسمى عذاباً من عذوبة طعمه … وذاك له كالقشر والقشر صاين
وهذا
في طرف والمعتزلة الذين يقولون لا
يجوز على الله أن يخالف وعيده بل يجب
عليه تعذيب من توعده بالعذاب في طرف،
فأولئك عندهم لا ينجو من النار من
دخلها أصلاً، وهذا عنده لا يعذب بها
أحد أصلاً. والفريقانمخالفان لما علم
بالاضطرار أن الرسول جاء وأخبر به عن
الله عز وجل.
الثالث: قول من يقول إن أهلها يعذبون
فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها
ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول
حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه
وسلم فأكذبهم الله تعالى في القرآن
فيه:
فقال تعالى: {وقالوا لن تمسنا النار
إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند
الله عهداً فلن يخلف الله عهده، أم
تقولون على الله ما لا تعلمون* بلى من
كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك
أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة:80،81).
وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا
نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب
الله ليحكم بينهم. ثم يتولى فريق منهم
وهم معرضون* ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا
النار إلا أياماً معدودات وغرهم في
دينهم ما كانوا يفترون} (آل عمران:23،24).
فهذا القول إنما هو قول أعداء الله
اليهود فهم شيوخ أربابه والقائلين به.
وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة
والتابعين وأئمة الإسلام على فساده.
قال تعالى: {وما هم بخارجين من النار}،
وقال: {وما هم منها بمخرجين}، وقال: {كلما
أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا
فيها}.
وقال تعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا
منها أعيدوا فيها}، وقال تعالى: {لا
يقضى عليهم فيموتوا لا يخفف عنهم من
عذابها} (فاطر:36)، وقال تعالى: {ولا
يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم
الخياط} (الأعراف:40).
وهذا أبلغ ما يكون في الإخبار عن
استحالة دخولهم الجنة.
الرابع: قول من يقول: يخرجون منها
وتبقى ناراً على حالها ليس فيها أحد
يعذب. حكاه شيخ الإسلام. والقرآن
والسنة أيضاً يردان على هذا القول
كما تقدم.
الخامس: قول من يقول: بل تفني نفسها
لأنها حادثة بعد أن لم تكن: وما ثبت
حدوثه استحال بقاؤه وأبديته. وهذا
قول جهم بن صفوان وشيعته ولا فرق عنده
في ذلك بين الجنة والنار.
السادس: قول من يقول تفني حياتهم
وحركاتهم ويصيرون جماداً لا يتحركون
ولا يحسون بألم. وهذا قول أبي الهذيل
العلاف إمام المعتزلة طرداً لامتناع
حوادث لا نهاية لها. والجنة والنار
عنده سواء في هذا الحكم.
السابع: قول من يقول: بل يفنيها ربها
وخالقها تبارك وتعالى، فإنه جعل لها
أمداً تنتهي إليه تفنى ويزول عذابها.
قال شيخ الإسلام: وقد نقل هذا القول
عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي
سعيد وغيرهم. وقد روى عبد بن حميد وهو
من أجل أئمة الحديث في تفسيره
المشهور حدثنا سليمان بن حرب حدثنا
حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال:
قال عمر: "لو لبث أهل النار في
النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على
ذلك يوم يخرجون فيه".
وقال: حدثنا حجاج بن منهال عن حماد بن
سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن
الخطاب قال: "لو لبث أهل النار في
النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم
يخرجون فيه" ذكر ذلك في تفسير قوله
تعالى: {لابثين فيها أحقاباً} (النبأ:23)،
فقد رواه عبد وهو من الأئمة الحفاظ
وعلماء السنة عن هذين الجليلين
سليمان بن حرب وحجاج بن منهال كلاهما
عن حماد بن سلمة وحسبك به وحماد يرويه
عن ثابت وحميد وكلاهما يرويه عن
الحسن، وحسبك بهذا الإسناد جلالة.
والحسن وإن لم يسمع من عمر، فإنما
رواه عن بعض التابعين ولو لم يصح عنده
ذلك عن عمر لما جزم به. وقال: عمر بن
الخطاب، ولو قدر أنه لم يحفظ عن عمر
فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين
له بالإنكار والرد مع أنهم ينكرون
على من خالف السنة بدون هذا فلو كان
هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع
المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله
وإجماع الأئمة، لكانوا أو منكر له.
قال: ولا ريب أن من قال هذا القول عن
عمر ونقله عنه إنما أراد بذلك جنس أهل
النار الذين هم أهلها، فأما قوم
أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم
أنهم يخرجون منها، وأنهم لا يلبثون
قدر رمل عالج ولا قريباً منه.
ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل
يختص بمن عداهم، كما قال النبي صلى
الله عليه وسلم، أما أهل النار الذين
هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا
يحيون، ولا يناقض هذا قوله تعالى: {خالدين
فيها} وقوله: {وما هم بمخرجين} (الحجر:48).
بل ما أخبر الله به هو الحق والصدق
الذي لا يقع خلافه، لكن إذا انقضى
أجلها وفنيت تفنى الدنيا لم تبق
ناراً ولم يبق فيها عذاب قال أرباب
هذا القول:
وفي تفسير علي بن أبي طلحة الوالبي عن
ابن عباس في قوله تعالى: {قال النار
مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله
إن ربك حكيم عليم} قال: لا ينبغي لأحد
أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم
جنة ولا ناراً.
قالوا: وهذا الوعيد في هذه الآية
مختصاً بأهل القبلة فإنه سبحانه قال:
{ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد
استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من
الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا
أجلنا الذي أجلت لنا قال النار
مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله
إن ربك حكيم عليم.وكذلك نولي بعض
الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون} (الأنعام:128،129).
وأولياء الجن من الإنس يدخل فيها
الكفار قطعاً فإنهم أحق بموالاتهم من
عصاة المسلمين، كما قال تعالى: {إنا
جعلنا الشياطين أولياء للذين لا
يؤمنون}.
وقال تعالى: {إنه ليس له سلطان على
الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما
سلطانه على الذين يتولونه والذين هم
به مشركون} (النحل:99،100).
وقال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم
طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم
مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم
لا يقصرون} (الأعراف:201).
وقال تعالى: {أفتتخذونه وذريته
أولياء من دوني وهم لكم عدو} (الكهف:50).
وقال تعالى: {فقاتلوا أولياء الشيطان}.
وقال تعالى: {أولئك حزب الشيطان ألا
إن حزب الشيطان هم الخاسرون} (المجادلة:19).
وقال تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى
أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم
إنكم لمشركون} والاستثناء وقع في
الآية التي أخبرت عن دخول أولياء
الشياطين النار.
فمن ههنا قال ابن عباس: لا ينبغي لأحد
أن يحكم على الله قالوا: وقول من قال
إن (ألا) بمعنى سوى أي ما شاء الله أن
يزدهم من أنواع العذاب وزمنه لا تخفى
منافرته للمستثنى والمستثنى منه،
وإن الذي يفهمه المخاطب مخالفة ما
بعد (إلا) لما قبلها.
قالوا: وقول من قال إنه لاخراج ما قبل
دخولهم إليها من الزمان كزمان البرزخ
والموقف ومدة الدنيا أيضاً، لا يساعد
على وجه الكلام، فإنه استثناء من
جملة خبرية مضمونها أنهم إذا دخلوا
النار لبثوا فيها مدة دوام السماوات
والأرض إلا ما شاء الله.
وليس المراد الاستثناء قبل الدخول
هذا مالا يفهمه المخاطب ألا ترى
سبحانه يخاطبهم بهذا في النار حين
يقولون: {ربنا استمتع بعضنا ببعض
وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} فيقول
لهم حينئذ: {النار مثواكم خالدين فيها
إلا ما شاء الله}.
وفي قوله: {ربنا استمتع بعضنا ببعض
وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} نوع
اعتراف واستسلام وتحسر أي استمتع
الجن بنا واستمتعنا بهم، فاشتركنا في
الشرك ودواعيه وأسبابه، وآثرنا
الاستمتاع على طاعتك وطاعة رسلك،
وانقضت آجالنا وذهبت أعمارنا في ذلك
ولم نكتسب فيها رضاك. وإنما كان غاية
أمرنا في مدة آجالنا استمتاع بعضنا
ببعض.
فتأمل ما في هذا من الاعتراف بحقيقة
ما هم عليه وكيف بدت لهم تلك الحقيقة
ذلك اليوم، وعلموا أن الذي كانوا فيه
في مدة آجالهم هو حظهم من استمتاع
بعضهم ببعض ولم يستمتعوا بعبادة ربهم
ومعرفته وتوحيده ومحبته وإيثار
مرضاته.
وهذا من نمط قولهم: {لو كنا نسمع أو
نعقل ما كنا في أصحاب السعير} وقوله: {فاعترفوا
بذنبهم} وقوله: {فعلموا أن الحق لله}
ونظائره والمقصود أن قوله: {إلا ما
شاء الله} عائد إلى هؤلاء المذكورين
مختصاً بهم أو شاملاً لهم ولعصاة
الموحدين، وأما اختصاصه بعصاة
المسلمين دون هؤلاء فلا وجه له.
ولما رأت طائفة ضعف هذا القول قالوا:
الاستثناء يرجع إلى مدة البرزخ
والموقف. وقد تبين ضعف هذا القول،
ورأت طائفة أخرى أن الاستثناء يرجع
إلى نوع آخر من العذاب غير النار.
قالوا: والمعنى أنكم في النار أبداً
إلا ما شاء الله أن يعذبكم بغيرها وهو
الزمهرير وقد قال تعالى: {إن جهنم
كانت مرصاداً. للطاغين مآباً. لابثين
فيها أحقاباً} (النبأ:21-23).
وقالوا: والأبد لا يقدر بالأحقاب.
وقد قال ابن مسعود في هذه الآية:
ليأتين على جهنم زمان وليس فيها أحد
وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً،
وعن أبي هريرة مثله حكاه البغوي
عنهما. ثم قال: ومعناه عند أهل السنة
إن ثبت أنه لا يبقى فيها أحد من أهل
الإيمان.
قالوا: قد ثبت ذلك عن أبي هريرة وابن
مسعود وعبد الله بن عمر وقد سأل حرب
اسحق بن راهويه عن هذه الآية فقال:
سألت إسحق قلت قول الله تعالى: {خالدين
فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما
شاء ربك} فقال: أتت هذه الآية على كل
وعيد في القرآن.
حدثنا عبيدالله بن معاذ حدثنا معتمر
بن سليمان قال: قال أبي حدثنا أبو
نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو بعض
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال
هذه الآية تأتي على القرآن كله: {إلا
ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} (هود:106).
قال المعتمر: قال أتى على كل وعيد في
القرآن، حدثنا عبيدالله بن معاذ
حدثنا أبي عن شعبة عن أبي بلخ سمع
عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله بن
عمرو قال ليأتين على جهنم يوم تصفق
فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك
بعدما يلبثون فيها أحقاباً.
حدثنا عبيدالله حدثنا أبي حدثنا شعبة
عن يحيى بن أيوب عن ابن زرعة عن أبي
هريرة قال: ما أنا بالذي لا أقول إنه
سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد،
وقرأ قوله: {فأما الذين شقوا ففي
النار لهم فيها زفير وشهيق} الآية (هود:107).
قال عبيدالله: كان أصحابنا يقولون
يعني به الموحدين حدثنا أبو معن
حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن
سليمان التميمي عن أبي نضرة عن جابر
بن عبد الله أو بعض أصحابه في قوله: {خالدين
فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما
شاء ربك} (هود:107) قال هذه الآية تأتي
على القرآن كله. وقد حكى ابن جرير هذا
القول في تفسيره عن جماعة من السلف
فقال: وقال آخرون عني بذلك أهل النار
وكل من دخلها. ذكر من قال ذلك ثم ذكر
الآثار التي نذكرها.
وقال عبدالرزاق أنبأنا ابن التيمي عن
أبيه نضرة عن جابر أو أبي سعيد أو عن
رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم في قوله: {إلا ما شاء ربك إن ربك
فعال لما يريد} قال هذه الآية تأتي
على القرآن كله يقول حيث كان في
القرآن خالدين فيها تأتي عليه قال:
وسمعت أبا مجلز يقول: جزاؤه فإن شاء
الله تجاوز عن عذابه.
وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن يحيى
أنبأنا عبدالرزاق فذكره قال وحدثت عن
المسيب عمن ذكره عن ابن عباس: {خالدين
فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما
شاء ربك} قال استثنى الله قال أمر
الله النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن
مسعود: ليأتين على جهنم زمان تصفق
أبوابها ليس فيها أحد بعد ما يلبثون
فيها أحقاباً، حدثنا ابن حميد حدثنا
جرير بيان عن الشعبي قال: جهنم أسرع
الدارين عمرانا، وأسرعهما خراباً.
وحكى ابن جرير في ذلك قولاً آخر فقال:
وقال آخرون أخبرنا الله عز وجل
بمشيئته لأهل الجنة فعرفنا معنى
ثناياه بقوله {عطاء غير مجذوذ} وأنها
لفي الزيادة على مقدار مدة السموات
والأرض قالوا: ولم يخبرنا بمشيئته في
أهل النار، وجائز أن تكون مشيئته في
الزيادة وجائز أن تكون في النقصان.
حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب قال: قال
ابن زيد في قوله تعالى: {خالدين فيها
ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء
ربك} فقرأ حتى بلغ {عطاء غير مجذوذ}
فقال أخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة
فقال: {عطاء غير مجذوذ} ولم يخبرنا
بالذي يشاء لأهل النار.
وقال ابن مردويه في تفسيره: حدثنا
سليمان بن أحمد حدثنا جبير بن عرفة
حدثنا يزيد بن مروان الخلال حدثنا
أبو خليد حدثنا سفيان يعني الثوري عن
عمرو بن دينار عن جابر قال قرأ رسول
الله صلى الله عليه وسلم: {فأما الذين
شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق.
خالدين فيها ما دامت السموات والأرض
إلا ما شاء ربك} (هود:106و107) قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم [إن شاء الله
أن يخرج أناساً من الذين شقوا من
النار فيدخلهم الجنة فعل]. وهذا
الحديث يدل على أن الاستثناء إنما هو
للخروج من النار بعد دخولها خلافاً
لمن زعم أنه لما قبل الدخول، ولكن
إنما يدل على إخراج بعضهم من النار،
وهذا حق بلا ريب وهو لا ينفي انقطاعها
وفناء عذابها وأكلها لمن فيها وأنهم
يعذبون فيها دائماً ما دامت كذلك وما
هم منها بمخرجين، فالحديث دل على
أمرين: أحدهما: أن بعض الأشقياء إن
شاء الله أن يخرجهم من النار وهي نار
فعل، وأن الاستثناء إنما هو فيما بعد
دخولها لا فيما قبله وعلى هذا فيكون
معنى الاستثناء إلا ما شاء ربك من
الأشقياء فإنهم لا يخلدون فيها ويكون
الأشقياء نوعين نوعا يخرجون منها
ونوعاً يخلدون فيها فيكونون من الذين
شقوا أولاً ثم يصيرون من الذين سعدوا
فتجتمع لهم الشقاوة والسعادة في
وقتين قالوا وقد قال تعالى: {إن جهنم
كانت مرصاداً، للطاغين مآباً،
لابثين فيها أحقاباً، لا يذوقون فيها
برداً ولا شراباً، إلا حميماً
وغساقاً، جزاء وفاقاً، إنهم كانوا لا
يرجون حساباً، وكذبوا بآياتنا
كذاباً} (النبأ:21-28)، فهذا صريح في
وعيد الكفار المكذبين بآياته ولا
يقدر الأبد بهذه الأحقاب ولا غيرها
كما لا يقدر به القديم. ولهذا قال عبد
الله بن عمرو فيما رواه شعبة عن أبي
بلخ سمع عمرو بن ميمون يحدث عنه "ليأتين
على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس
فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها
أحقاباً".
فصل
والذين
قطعوا بدوام النار لهم ست طرق:
أحدها:
اعتقاد الإجماع فكثير من الناس
يعتقدون أن هذا مجمع عليه بين
الصحابة والتابعين لا يختلفون فيه،
وأن الاختلاف فيه حادث وهو من أقوال
أهل البدع.
الطريق الثاني: أن القرآن دل على ذلك
دلالة قطعية فإنه سبحانه أخبر أنه
عذاب مقيم، وأنه لا يفتر عنهم وأنه لن
يزيدهم إلا عذاباً وأنهم خالدين فيها
أبداً وما هم بخارجين من النار، وما
هم منها بمخرجين، وأن الله حرم الجنة
على الكافرين وأنهم لا يدخلون الجنة
حتى يلج الجمل في سم الخياط، وأنهم لا
يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من
عذابها وأن عذابها كان غراماً، أي
مقيماً لازماً. قال وهذا يفيد القطع
بدوامه واستمراره.
الطريق الثالث: أن السنة المستفيضة
أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة
من إيمان دون الكفار، وأحاديث
الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة
بخروج عصاة الموحدين من النار وأن
هذا حكم مختص بهم فلو خرج الكفار منها
لكانوا بمنزلتهم ولم يختص الخروج
بأهل الإيمان.
الطريق الرابع: أن الرسول وقفنا على
ذلك وعلمناه من دينه بالضرورة من غير
حاجة بنا إلى نقل معين، كما علمنا من
دينه دوام الجنة وعدم فنائها.
الطريق الخامس: أن عقائد السلف وأهل
السنة مصرحة بأن الجنة والنار
مخلوقتان وأنهما لا يفنيان بل هما
دائمتان، وإنما يذكرون فناءهما عن
أهل البدع.
الطريق السادس: أن العقل يقضي بخلود
الكفار في النار، وهذا مبني على
قاعدة وهي أن المعاد وثواب النفوس
المطيعة وعقوبة النفوس الفاجرة هل هو
مما يعلم بالعقل أو لا يعلم إلا
بالسمع؟ فيه طريقتان لنظار
المسلمين، وكثير منهم يذهب إلى أن
ذلك يعلم بالعقل مع السمع، كما دل
عليه القرآن في غير موضع، كإنكاره
سبحانه على من زعم أنه يسوي بين
الأبرار والفجار، في المحيا والممات
وعلى من زعم أنه خلق خلقه عبثاً،
وأنهم إليه لا يرجعون، وأنه يتركهم
سدى أي لا يثيبهم ولا يعاقبهم، وذلك
يقدح في حكمته وكماله، وأنه نسبه إلى
مالا يليق به وربما قرروه بأن النفوس
البشرية باقية واعتقاداتها وصفاتها
لازمة لها لا تفارقها وإن ندمت
عليها، لما رأت العذاب فلم تندم
عليها لقبحها أو كراهة ربها لها، بل
لو فارقها العذاب رجعت كما كانت أولا
قال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على
النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب
بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، بل
بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو
ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم
لكاذبون} (الأنعام:27،28).
فهؤلاء قد ذاقوا العذاب وباشروه ولم
يزل سببه ومقتضيه من نفوسهم بل خبثها
وكفرها قائم بها لم يفارقها بحيث لو
ردوا لعادوا كفاراً كما كانوا وهذا
يدل على أن دوام تعذيبهم يقضي به
العقل كما جاء السمع، قال أصحاب
الفناء الكلام على هذه الطرق يبين
الصواب في هذه المسألة.
رد دعوى الإجماع في المسألة:
فأما الطريق الأول فالإجماع الذي
ادعيتموه غير معلوم، وإنما يظن
الإجماع في هذه المسألة من لم يعرف
النزاع، وقد عرف النزاع فيها قديماً
وحديثاً بل لو كلف مدّعي الإجماع أن
ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم
إلى الواحد أنه قال: إن النار لا تفني
أبداً، لم يجد إلى ذلك سبيلاً.
ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف
ذلك فما وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك
بل التابعون حكوا عنهم هذا وهذا،
قالوا: والاجماع المعتد به نوعان،
متفق عليهما، ونوع ثالث مختلف فيه،
ولم يوجد واحد منها في هذه المسألة
النوع الأول ما يكون معلوماً من
ضرورة الدين كوجوب أركان الإسلام
وتحريم المحرمات الظاهرة.
الثاني: ما ينقل عن أهل الاجتهاد
التصريح بحكمه.
الثالث: أن يقول بعضهم القول وينشر في
الأمة ولا ينكره أحد، فأين معكم واحد
من هذه الأنواع، ولو أن قائلا ادعى
الإجماع من هذه الطرق واحتج أن
الصحابة صح عنهم ولم ينكر أحد منهم
عليه لكان أسعد بالإجماع منكم.
قالوا: وأما الطريق الثاني وهو دلالة
القرآن على بقاء النار وعدم فنائها،
فأين في القرآن دليل واحد يدل على
ذلك؟ نعم، الذي دل عليه القرآن إن
الكفار خالدين في النار أبداً، وأنهم
غير خارجين منها وأنه لا يفتر عنهم
عذابها وأنهم لا يموتون فيها وأن
عذابهم فيها مقيم، وأنه غرام لازم
لهم هذا كله مما لا نزاع فيه بين
الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين
وليس هذا مورد النزاع وإنما النزاع
في أمر آخر وهو أنه هل النار أبدية أو
مما كتب عليه الفناء؟ وأما كون
الكفار لا يخرجون منها ولا يفتر عنهم
من عذابها ولا يقضى عليهم فيموتوا
ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم
الخياط فلم يختلف في ذلك الصحابة ولا
التابعون ولا أهل السنة وإنما خالف
في ذلك من قد حكينا أقوالهم من اليهود
والاتحادية وبعض أهل البدع. وهذه
النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار
العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون
منها مع بقائها البتة كما يخرج أهل
التوحيد منها مع بقائها فالفرق بين
من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله
وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس
وانتقاضه.
قالوا: وأما الطريق الثالث: وهي مجيء
السنة المستفيضة بخروج أهل الكبائر
من النار دون أهل الشرك فهي حق لا شك
فيه وهي إنما تدل على ما قلناه من
خروج الموحدين منها وهي دار العذاب
لم تفن ويبقى المشركون فيها ما دامت
باقية والنصوص دلت على هذا وعلى هذا.
قالوا: وأما الطريق الرابع: وهو أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفنا
على ذلك ضرورة فلا ريب أنه من المعلوم
من دينه بالضرورة أن الكفر باقون
فيها ما دامت باقية هذا معلوم من دينه
بالضرورة، وأما كونها أبدية لا
انتهاء لها ولا تفنى كالجنة، فأين في
القرآن والسنة دليل واحد يدل على ذلك.
قالوا: وأما الطريق الخامس وهو أن
عقائد أهل السنة أن الجنة والنار
مخلوقتان لا يفنيان أبداً. فلا ريب أن
القول بفنائهما قول أهل البدع من
الجهمية والمعتزلة. وهذا القول لم
يقله أحد من الصحابة ولا التابعين
ولا أحد من أئمة المسلمين وأما فناء
النار وحدها فقد أوجدنا لكم من قال به
من الصحابة وتفريقهم بين الجنة
والنار فكيف يكون القول به أقوال أهل
البدع مع أنه لا يعرف عن أحد من أهل
البدع التفريق بين الدارين، فقولكم
إنه من أقوال أهل البدع كلام من لا
خبرة له بمقالات بني آدم وآرائهم
واختلافهم.
قالوا: والقول الذي بعد من أقوال أهل
البدع ما خالف كتاب الله وسنة رسوله
وإجماع الأمة، أما الصحابة أو من
بعدهم، وأما قول يوافق الكتاب والسنة
وأقوال الصحابة فلا يعد من أقوال أهل
البدع وإن دانوا به واعتقدوا فالحق
يجب قبوله ممن قاله. والباطل يجب رده
على من قاله وكان معاذ بن جبل يقول:
"الله حكم قسط هلك المرتابون إن من
ورائكم فتناً يكثر فيها المال ويفتح
فيها القرآن حتى يقرؤه المؤمن
والمنافق والمرأة والصبي والأسود
والأحمر فيوشك أحدهم أن يقول: قد قرأت
القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع
فإن كل بدعة ضلالة وإياكم وزيغة
الحكيم؟ فإن الشيطان قد يتكلم على
لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن
المنافق قد يقول كلمة الحق فتلقوا
الحق عمن جاء به فإن على الحق نوراً،
قالوا: وكيف زيغة الحكيم، قال: هي
الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما
هذه؟ فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه
فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق،
وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم
القيامة".
والذي أخبر به أهل السنة في عقائدهم
هو الذي دل عليه الكتاب والسنة وأجمع
عليه السلف أن الجنة والنار
مخلوقتان، وأن أهل النار لا يخرجون
منها ولا يخفف عنهم من عذابها ولا
يفتر عنهم وانهم خالدون فيها، ومن
ذكر منهم أن النار لا تفنى أبداً
فإنما قاله لظنه أن بعض أهل البدع قال
بفنائها، ولم يبلغه تلك الآثار التي
تقدم ذكرها قالوا: وأما حكم العقل
بتخليد أهل النار فيها، فإخبار عن
العقل بما ليس عنده، فإن المسألة من
المسائل التي لا تعلم إلا بخبر
الصادق.
وأما أصل الثواب والعقاب: فهل يعلم
بالعقل مع السمع أو لا يعلم إلا
بالسمع وحده؟ ففيه قولان لنظار
المسلمين من أتبع الأئمة الأربعة
وغيرهم، والصحيح أن العقل دل على
المعاد والثواب والعقاب إجمالاً
وأما تفصيله فلا يعلم إلا بالسمع
ودوام الثواب والعقاب ما لا يدل عليه
العقل بمجرده، وإنما علم بالسمع وقد
دل السمع دلالة قاطعة على دوام ثواب
المطيعين، وأما عقاب العصاة فقد دل
السمع أيضاً دلالة قاطعة على انقطاعه
في حق الموحدين، وأما دوامه وانقطاعه
في حق الكفار فهذا معترك النزال فمن
كان السمع من جانبه فهو أسعد بالصواب.
وبالله التوفيق.
الفرق
بين دوام الجنة والنار شرعاً وعقلاً:
ونحن نذكر الفرق بين دوام الجنة
والنار شرعاً وعقلاً وذلك يظهر من
وجوه:
أحدها:
أن الله سبحانه وتعالى أخبر ببقاء
نعيم أهل الجنة ودوامه وأنه لا نفاد
له ولا انقطاع وأنه غير مجذوذ، وأما
النار فلم يخبر عنها بأكثر من خلود
أهلها فيها وعدم خروجهم منها وأنهم
لا يموتون فيها ولا يحيون وأنها
مؤصدة عليهم وأنهم كلما أرادوا أن
يخرجوا منها أعيدوا فيها وأن عذابها
لازم لهم وأنه مقيم عليهم لا يفتر
عنهم والفرق بين الخبرين ظاهر.
الوجه الثاني: أن النار قد أخبر
سبحانه وتعالى في ثلاث آيات عنها بما
يدل على عدم أبديتها. الأولى: قوله
سبحانه وتعالى: {قال النار مثواكم
خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك
حكيم عليم} (الأنعام:128)، الثانية:
قوله: {خالدين فيها ما دامت السموات
والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال
لما يريد} (هود:107).
الثالثة: قوله: {لابثين فيها أحقاباً}
(النبأ:23)، ولولا الأدلة القطعية
الدالة على أبدية الجنة ودوامها لكان
حكم الاستثناءين في الموضعين واحداً
كيف وفي الآيتين من السياق ما يفرق
بين الاستثناءين فإنه قال في أهل
النار: {إن ربك فعال لما يريد} (هود:107)،
فعلمنا أنه سبحانه وتعالى يريد أن
يفعل فعلاً لم يخبرنا به، وقال في أهل
الجنة: {عطاء غير مجذوذ} (هود:108)،
فعلمنا أن هذا العطاء والنعيم غير
مقطوع عنهم أبداً. فالعذاب مؤقت معلق
والنعيم ليس بمؤقت ولا معلق.
الوجه الثالث: أنه قد ثبت أن الجنة لم
يدخلها من لم يعمل خيراً قط من
المعذبين الذين يخرجهم الله من
النار، وأما النار فلم يدخلها من لم
يعمل سوءاً قط ولا يعذب إلا من عصاه.
الوجه الرابع: أنه قد ثبت أن الله
سبحانه وتعالى ينشيء للجنة خلقاً آخر
يوم القيامة يسكنهم إياها ولا يفعل
ذلك بالنار، وأما الحديث الذي قد ورد
في صحيح البخاري من قوله: [وأما النار
فينشيء الله لها خلقاً آخرين] فغلط
وقع من بعض الرواة انقلب عليه الحديث
وإنما هو ما ساقه البخاري في الباب
بنفسه: [وأما الجنة فينشيء الله لها
خلقاً آخرين] ذكره البخاري رحمه الله
مبيناً أن الحديث انقلب لفظه على من
رواه بخلاف هذا وهذا، والمقصود أنه
لا تقاس النار بالجنة في التأبيد مع
هذه الفروق.
الوجه الخامس: أن الجنة من موجب رحمته
ورضاه، والنار من غضبه وسخطه، ورحمته
سبحانه تغلب غضبه وتسبقه، كما جاء في
الصحيح من حديث أبي هريرة عنه صلى
الله عليه وسلم أنه قال: [لما قضى الله
الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على
العرش أن رحمتي تغلب غضبي]. وإذا كان
رضاه قد سبق غضبه وهو يغلبه كان
التسوية بين ما هو من موجب رضاه وما
هو من موجب غضبه ممتنعاً.
الوجه السادس: أن ما كان بالرحمة
وللرحمة فهو مقصود لذاته قصد الغايات
وما كان من موجب الغضب والسخط فهو
مقصود لغيره قصد الوسائل فهو مسبوق
مغلوب مراد لغيره وما كان للرحمة
فغالب سابق مراد لنفسه.
الوجه السابع: وهو أنه سبحانه قال
للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء
وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من
أشاء، وعذابه مفعول منفصل، وهو ناشيء
عن غضبه، ورحمته ههنا هي الجنة وهي
رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي
صفة الرحمن فههنا أربعة أمور رحمة هي
صفته سبحانه، وثواب منفصل هو ناشيء
عن رحمته، وغضب يقوم به سبحانه،
وعقاب منفصل ينشأ عنه إذا غلبت صفة
الرحمة صفة الغضب فلأن يغلب ما كان
بالرحمة لما كان بالغضب أولى وأحرى،
فلا تقاوم النار التي نشأت عن الغضب
الجنة التي نشأت عن الرحمة.
الوجه الثامن: أن النار خلقت تخويفاً
للمؤمنين وتطهيراً للخاطئين
والمجرمين، فهي طهرة من الخبث الذي
اكتسبته النفس في هذا العالم فإن
تطهرت ههنا بالتوبة النصوح والحسنات
الماحية والمصائب المكفرة لم يحتج
إلى تطهير هناك وقيل لها مع جملة
الطيبين سلام عليكم طبتم فادخلوها
خالدين. وإن لم تتطهر في هذه الدار
ووافت الدار الأخرى بدونها ونجاستها
وخبثها أدخلت النار طهرة لها ويكون
مكثها في النار بحسب زوال ذلك الدرن
والخبث والنجاسة التي لا يغسلها
الماء، فإذا تطهرت الطهر التام أخرجت
من النار والله سبحانه خلق عباده
حنفاء وهي فطرة الله التي فطر الناس
عليها، فلو خلوا وفطرهم لما نشؤوا
إلا على التوحيد ولكن عرض لأكثر
الفطر ما غيرها، ولهذا كان نصيب
النار أكثر من نصيب الجنة وكان هذا
التغيير مراتب لا يحصيها إلا الله
فأرسل الله رسوله، وأنزل كتبه يذكر
عباده بفطرته التي فطرهم عليها، فعرف
الموفقون الذين سبقت لهم من الله
الحسنى صحة ما جاءت به الرسل ونزلت به
الكتب بالفطرة الأولى فتوافق عندهم
شرع الله ودينه الذي أرسل به رسله
وفطرته التي فطرهم عليها فمنعتهم
الشرعة المنزلة والفطرة المكملة، أن
تكتسب نفوسهم خبثاً ونجاسة ودرناً
يعلق بها ولا يفارقها، بل كلما ألم
بهم شيء من ذلك ومسهم طائف من الشيطان
أغاروا عليه بالشرعة والفطرة
فأزالوا موجبه وأثره، وكمل لهم الرب
تعالى ذلك بأقضية يقضيها لهم مم
يحبون أو يكرهون، تمحص عنهم تلك
الآثار التي شوشت الفطرة فجاء مقتضى
الرحمة فصادف مكاناً قابلاً مستعداً
لها ليس فيه شيء يدافعه فقال هنا أمرت
وليس لله سبحانه غرض. في تعذيب عباده
بغير موجب كما قال تعالى: {ما يفعل
الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان
الله شاكراً عليماً} (النساء:147)،
واستمر الأشقياء مع تغيير الفطرة
ونقلها مما خلقت عليه إلى ضده حتى
استحكم الفساد وتم التغيير،
فاحتاجوا إلى إزالة ذلك إلى تغيير
أخر وتطهير ينقلهم إلى الصحة حيث لم
تنقلهم آيات الله المتلوة والمخلوقة
وأقداره المحبوبة والمكروهة في هذه
الدار، فأتاح لهم آيات أخر وأقضية،
وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا
تستخرج ذلك الخبث والنجاسة التي لا
تزول بغير النار، فإذا زال موجب
العذاب وسببه زال العذاب وبقي مقتضى
الرحمة لا معارض له، فإن قيل هذا حق
ولكن سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان
السبب عارضاً كمعاصي الموحدين، أما
إذا كان لازماً كالكفر والشرك فإن
أثره لا يزول كما يزول السبب، وقد
أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في
مواضع من كتابه منها: قوله تعالى: {ولو
ردوا لعادوا لما نهوا عنه} فهذا إخبار
بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير
الكفر والشرك، وأنها غير قابلة
للإيمان أصلاً. ومنها قوله تعالى: {ومن
كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى
وأضل سبيلاً} (الإسراء:72)، فأخبر
سبحانه أن ضلالهم وعماهم عن الهدى
دائم لا يزول حتى مع معاينة الحقائق
التي أخبرت بها الرسل، وإذا كان
العمى والضلال لا يفارقهم فإن موجبه
وأثره ومقتضاه لا يفارقهم. ومنها:
قوله تعالى: {ولو علم الله فيهم خيراً
لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم
معرضون} (الأنفال:23)، وهذا يدل على أنه
ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان
فيهم خير ما ضيع عليهم أثره، ويدل على
أنهم لا خير فيهم هناك أيضاً قوله: [أخرجوا
من النار من كان في قلبه أدنى مثقال
ذرة من خير] ولو كان عند هؤلاء أدنى
أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع
الخارجين.
قيل: لعمر الله إن هذا لمن أقوى ما
يتمسك به من المسألة، وإن الأمر لكما
قلتم، وإن العذاب يدوم بدوام موجبه
وسببه، ولا ريب أنهم في الآخرة في عمى
وضلال كما كانوا في الدنيا بواطنهم
خبيثة كما كانت في الدنيا، والعذاب
مستمر عليهم دائم ما داموا كذلك: ولكن
هل هذا الكفر والتكذيب والخبث أمر
ذاتي لهم زواله مستحيل أم هو أمر عارض
طارئ على الفطرة قابل للزوال؟ هذا
حرف المسألة وليس بأيديكم ما يدل على
استحالة زواله وأنه أمر ذاتي وقد
أخبر سبحانه أنه فطر عباده على
الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم
عنها فلم يفطرهم سبحانه على الكفر
والتكذيب، كما فطر الحيوان البهيم
على طبيعته وإنما فطرهم على الإقرار
بخالقهم ومحبته وتوحيده.
فإن كان هذا الحق الذي قد فطروا عليه
وخلقوا عليه قد أمكن زواله بالكفر
والشرك الباطل فإمكان زوال الكفر
والشرك والباطل بضده من الحق أولى
وأحرى، ولا ريب أنهم لو ردوا على تلك
الحال التي هم عليها لعادوا لما نهوا
عنه ولكن من أين لكم أن تلك الحال لا
تزول ولا تتبدل بنشأة أخرى ينشئهم
فيها تبارك وتعالى إذا أخذت النار
مأخذها منهم، وحصلت الحكمة المطلوبة
من عذابهم، فإن العذاب لم يكن سدى
وإنما كان لحكمة مطلوبة. فإذا حصلت
تلك الحكمة لم يبق في التعذيب أمر
يطلب ولا غرض يقصد والله سبحانه ليس
يشتفي بعذاب عباده كما يشتفي المظلوم
من ظالمه وهو لا يعذب عبده لهذا
الغرض، وإنما يعذبه طهرة له ورحمة به
فعذابه مصلحة له، وإن تألم به غاية
الألم كما أن عذابه بالحدود الدنيا
مصلحة لأربابها.
وقد سمى الله سبحانه الحد عذاباً وقد
اقتضت حكمته سبحانه أن جعل لكل داء
دواء يناسبه، ودواء الداء العضال
يكون من أشق الأدوية، والطبيب الشفيق
يكوي المريض بالنار كياً بعد كي
ليخرج منه المادة الرديئة الطارئة
على الطبيعة المستقيمة وإن رأى قطع
العضو أصلح للعليل قطعه وأذاقه أشد
الألم فهذا قضاء الرب وقدره في إزالة
مادة غريبة طرأت على الطبيعة
المستقيمة بغير اختيار العبد، فكيف
إذا طرأ على الفطرة السليمة مواد
فاسدة باختيار العبد وإرادته؟
وإذا تأمل اللبيب شرع الرب تعالى
وقدره في الدنيا وثوابه وعقابه في
الآخرة وجد ذلك في غاية التناسب
والتوافق وارتباط ذلك بعضه ببعض فإن
مصدر الجميع عن علم تام وحكمة بالغة
ورحمة وهو سبحانه الملك الحق المبين
وملكه ملك رحمة وإحسان وعدل.
الوجه التاسع: إن عقوبته بعد ليست
لحاجته إلى عقوبته لا لمنفعة تعود
إليه ولا لدفع مضرة وألم يزول عنه
بالعقوبة. بل يتعالى عن ذلك ويتنزه
كما يتعالى عن سائر العيوب والنقائص،
ولا هي عبث محض خال عن الحكمة والغاية
الحميدة فإنه أيضاً يتنزه عن ذلك
ويتعالى عنه، فإما أن يكون من تمام
أوليائه وأحبابه، وإما أن يكون من
مصلحة الأشقياء ومداواتهم، أو لهذا
ولهذا.
وعلى التقادير الثالث، فالتعذيب أمر
مقصود لغيره قصد الوسائل لا قصد
الغايات والمراد من الوسيلة إذا حصل
على الوجه المطلوب زال حكمها، ونعيم
أوليائه، ليس متوقفاً في أصله ولا في
كماله على استمرار عذاب أعدائه،
وهوامه ومصلحة الأشقياء ليست في
الدوام والاستمرار، وإن كان في أصل
التعذيب مصلحة لهم.
الوجه العاشر: إن رضا الرب تبارك
وتعالى ورحمته صفتان ذاتيتان له، فلا
منتهى لرضاه بل كما قال أعلم الخلق به:
سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا
نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. فإن
كانت رحمته غلبت فإن رضا نفسه أعلى
وأعظم، فإن رضوانه أكثر من الجنات
ونعيمها وكل ما فيها وقد أخبر أهل
الجنة أنه يحل عليهم رضوانه فلا يسخط
عليهم أبداً، وأما غضبه تبارك وتعالى
وسخطه فليس من صفاته الذاتية التي
يستحيل انفكاكه عنها بحيث لم يزل ولا
يزال غضبان والناس لهم في صفة الغضب
قولان:
أحدهما: أنه من صفاته الفعلية
القائمة به كسائر أفعاله.
والثاني: أنه صفة فعل منفصل عنه غير
قائم به. وعلى القولين فليس كالحياة
والعلم والقدرة التي يستحيل
مفارقتها له والعذاب إنما ينشأ من
صفة غضبه وما سعرت النار إلا بغضبه،
وقد جاء في أثر مرفوع: [إن الله خلق
خلقاً من غضبه وأسكنهم بالمشرق
وينتقم بهم ممن عصاه] فمخلوقاته
سبحانه نوعان من نوع مخلوق من الرحمة
وبالرحمة. ونوع مخلوق من الغضب
وبالغضب.
فإنه سبحانه له الكمال المطلق من
جميع الوجوه الذي يتنزه عن تقدير
خلافه ومنه أنه يرضى ويغضب ويثيب
ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل وينتقم
ويعفو. بل هذا موجب ملكه الحق وهو
حقيقة الملك المقرون بالحكمة
والرحمة والحمد. فإذا زال غضبه
سبحانه وتبدل برضاه زالت عقوبته
وتبدلت برحمته فانقلبت العقوبة رحمة
بل لم تزل رحمة وإن تنوعت صفتها
وصورتها كما كان عقوبة العصاة رحمة
وإخراجه من النار رحمة، فتقلبوا في
رحمته في الدنيا وتقلبوا فيها في
الآخرة، لكن تلك رحمة يحبونها وتوافق
طبائعهم وهذه رحمة يكرهونها وتشق
عليهم كرحمة الطبيب الذي يبضع لحم
المريض ويلقي عليه المكاوي ليستخرج
منه المواد الرديئة الفاسدة.
فإن قيل: هذا اعتبار غير صحيح فإن
الطبيب يفعل ذلك بالعليل وهو يحبه
وهو راض عنه ولم ينشأ فعله به عن غضبه
عليه ولهذا لا يسمى عقوبة، وأما عذاب
هؤلاء فإنه إنما حصل بغضبه سبحانه
عليهم وهو عقوبة محضة.
قيل: هذا حق ولكن لا ينافي كونه رحمة
بهم، وإن كان عقوبة لهم وهذا كإقامة
الحدود عليهم في الدنيا فإنها عقوبة
ورحمة وتخفيف وطهرة، فالحدود طهرة
لأهلها وعقوبة، وهم ما أغضبوا الرب
تعالى وقابلوه لما لا يطيق أن يقابل
به وعاملوه أقبح المعاملة وكذبوه
وكذبوا رسله وجعلوا أقل خلقه وأخبثهم
وأمقتهم له نداً له، وآلهة معه
وآثروا رضاهم على رضاه وطاعتهم على
طاعته، وهو ولي الإنعام عليهم وهو
خالقهم ورازقهم ومولاهم، الحق الذي
اشتد مقته لهم وغضبه عليهم وذلك يوجب
كمال أسمائه وصفاته التي يستحيل عليه
تقدير خلافاتها ويستحيل عليه تخلف
آثارها ومقتضاها عنها بل ذلك تعطل
لأحكامها، كما أن نفيها عنه تعطيل
لحقائقها وكلا التعطيلين محال عليه
سبحانه.
فالمعطلون نوعان أحدهما: عطل صفاته
والثاني عطل أحكامها وموجباتها. وكان
هذا العذاب عقوبة لهم من هذا الوجه
ودواء لهم من جهة الرحمة السابقة
للغضب فاجتمع فيه الأمران، فإذا زال
الغضب بزوال سببه وزالت المادة
الفاسدة بتغير الطبيعة المقتضية لها
في الجحيم بمرور الأحقاب عليها،
وحصلت الحكمة التي أوجبت العقوبة
عملت الرحمة عملها وطلبت أثرها من
غير معارض.
الوجه الحادي عشر: وهو أن العفو أحب
إليه سبحانه من الانتقام، والرحمة
أحب إليه من العقوبة والرضا أحب إليه
من الغضب. والفضل أحب إليه من العدل.
ولهذا ظهرت آثار المحبة في شرعه
وقدره ويظهر كل الظهور لعباده في
ثوابه وعقابه، وإذا كان ذلك أحب
الأمرين إليه وله خلق الخلق وأنزل
الكتب وشرع الشرائع وقدرته سبحانه
صالحة لكل شيء لا قصور فيها بوجه ما،
وتلك المواد الرديئة الفاسدة مرض من
الأمراض وبيده سبحانه الشفاء التام
والأدوية الموافقة لكل داء، وله
القدرة التامة والرحمة البالغة
والغنى المطلق، وبالعبد أعظم حاجة
إلى من يداوي علته التي بلغت غاية
الضرر والمشقة، وقد عرف العبد أنه
عليل وأن دواءه بيد الغني الحميد،
فتضرع إليه ودخل به عليه واستكان له
وانكسر قلبه بين يديه وذل لعزته وعرف
أن الحمد كله له، وأن الخلق كله وأنه
هو الظلوم الجهول وأن ربه تبارك
وتعالى عامله بكل عدله لا يبغض عدله،
وأن له غاية الحمد فيما فعل به، وأن
حمده هو الذي أمامه، في هذا المقام
وأوصله إليه وأنه لا خير عنده من نفسه
بوجه من الوجوه، بل ذلك محض فضل الله
وصدقه عليه وأنه لا نجاة له مما هو
فيه بمجرد العفو والتجاوز عن حقه
فنفسه أولى بكل ذم وعيب ونقص، وربه
تعالى أولى بكل حمد وكمال ومدح.
فلو أن أهل الجحيم شهدوا نعمته
سبحانه ورحمته وكماله وحمده الذي
أوجب لهم ذلك فطلبوا مرضاته ولو
بدوامهم في تلك الحال. وقالوا إن كان
ما نحن فيه رضاك فرضاك الذي نرى وما
أوصلنا إلى هذه الحال إلا طلب ما لا
يرضيك فأما إذا أرضاك، هذا منا فرضاك
غاية ما نقصده (وما لجرح إذا أرضاك من
ألم) وأنت أرحم بنا من أنفسنا وأعلم
بمصالحنا لك الحمد كله، عاقبت أو
عفوت، لانقلبت النار عليهم برداً
وسلاماً.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث
الأسود بن سريع أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: [يأتي أربعة يوم
القيامة رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل
أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة،
فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام
وما أسمع شيئاً. وأما الأحمق فيقول:
رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني
بالبعر. وأما الهرم فيقول: ربي لقد
جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما
الذي مات في الفترة فيقول: رب ما
أتاني لك من رسول، فيأخذ مواثيقهم
ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا
النار، قال فو الذي نفس محمد بيده لو
دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً].
وفي المسند أيضاً: من حديث قتادة عن
الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله
وقال: [فمن دخلها كانت عليه برداً
وسلاماً ومن لم يدخلها يسحب إليها]
فهؤلاء لما رضوا بتعذيبهم وبادروا
إليه لما علموا أن فيه رضي ربهم
وموافقة أمره ومحبته انقلب في حقهم
نعيماً.
ومثل هذا، وما رواه عبد الله بن
المبارك حدثني رشدين قال حدثني ابن
أنعم عن أبي عثمان أنه حدثه عن أبي
هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: [إن رجلين ممن
دخلا النار يشتد صياحهما. فقال الرب
جل جلاله: أخرجوهما فإذا أخرجا فقال
لهما: لأي شيء اشتد صياحكما؟ قالا:
فعلنا ذلك لترحمنا، قال: رحمتي لكما
أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما
من النار. قال فينطلقان فيلقي أحدهما
نفسه فيجعلهما الله سبحانه عليه
برداً وسلاماً، ويقوم الآخر فلا يلقي
فيقول له الرب: ما منعك أن تلقي نفسك
كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني أرجوك
أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني
منها، فيقول الرب تعالى لك رجاؤك،
فيدخلان الجنة جميعاً برحمة الله].
وذكر الأوزاعي عن بلاد بن سعيد قال:
"يؤمر بإخراج رجلين من النار فإذا
أخرجا ووقفا قال الله لهما كيف
وجدتما مقيلكما وسوء مصيركما؟
فيقولان: شر مقيل، وأسوء مصير، ثار
إليه العباد، فيقول لهما: بما قدمت
أيديكما وما أنا بظلام للعبيد، قال:
فيؤمر بصرفهما إلى النار فأما أحدهما
فيغدو في أغلاله وسلاسله حتى يقتحمها:
وأما الآخر فيتلكأ فيؤمر بردهما
فيقول للذي غدا في أغلاله وسلاسله
حتى اقتحمها: ما حملك على ما صنعت وقد
خرجت منها؟ فيقول إني خبرت من وبال
معصيتك ما لم أكن أتعرض لسخطك ثانياً.
ويقول الذي تلكأ: ما حملك على ما
صنعت؟؟ فيقول: حسن ظني بك حين أخرجتني
منها أن لا تردني إليها فيرحمهما
جميعاً ويأمر بهما إلى الجنة".
الوجه الثاني عشر: أن النعيم والثواب
من مقتضى رحمته ومغفرته وبره وكرمه
ولذلك يضيف ذلك إلى نفسه. وأما العذاب
والعقوبة فإنما هو من مخلوقاته، لذلك
لا يسمى بالمعاقب والمعذب بل يفرق
بينهما فيجعل ذلك من أوصافه وهذا من
مفعولاته حتى في الآية الواحدة كقوله
تعالى: {نبيء عبادي أني أنا الغفور
الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم} (الحجر:49-50)،
وقال تعالى: {اعلموا أن الله شديد
العقاب، وأن الله غفور رحيم} (المائدة:98)،
وقال تعالى: {إن ربك لسريع العقاب
وإنه لغفور رحيم} (الأعراف:67)، ومثلها
في آخر الأنعام، فما كان من مقتضى
أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها ولا
سيما إذا كان محبوباً له وهو غاية
مطلوبة في نفسها وأما الشر الذي هو
العذاب في أسمائه وصفاته، وإن دخل في
مفعولاته لحكمه إذا حصلت زال وفني
بخلاف الخير، فإنه سبحانه دائم
المعروف لا ينقطع معروفه أبداً وهو
قديم الإحسان أبدي الإحسان، فلم يزل
ولا يزال محسناً على الدوام. وليس من
موجب أسمائه وصفاته أنه لا يزال
معاقباً على الدوام غضبان على الدوام
منتقماً على الدوام، فتأمل هذا الوجه
تأمل فقيه في باب أسماء الله وصفاته،
يفتح لك باباً من أبواب معرفته
ومحبته.
الوجه الثالث عشر: وهو قول أعلم خلقه
به، وأعرفهم بأسمائهوصفاته [والشر
ليس إليك] ولم يقف على المعنى المقصود
من قال الشر لا يتقرب به إليك، بل
الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجه لا في
ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا
أسمائه، فإن ذاته لها الكمال المطلق
من جميع الوجوه، وصفاته كلها صفات
كمال يحمد عليها ويثنى عليه بها،
وأفعاله كلها خير ورحمة وعدل، وحكمة
لا شر فيها بوجه ما، وأسماؤه كلها
حسنى، فكيف يضاف الشر إليه بل الشر في
مفعولاته ومخلوقاته وهو منفصل عنه،
إذ فعله غير مفعوله ففعله خير كله،
وأما المخلوق المفعول ففيه الخير
والشر.
وإذا كان الشر مخلوقاً منفصلاً غير
قائم بالرب سبحانه فهو لا يضاف إليه
وهو صلى الله عليه وسلم لم يقل: أنت لا
تخلق الشر حتى يطلب تأويل قوله،
وإنما نفي إضافته إليه وصفة وفعلاً
وأسماء، وإذا عرف هذا فالشر ليس إلا
الذنوب وموجباتها.
وأما الخير فهو الإيمان والطاعات
وموجباتها، والإيمان والطاعات
متعلقة به سبحانه، ولأجلها خلق خلقه
وأرسل رسله وأنزل كتبه، وهي ثناء على
الرب وإجلاله وتعظيمه وعبوديته،
وهذه لها آثار تطلبها وتقتضيها فتدوم
آثارها بدوام متعلقها.
وأما الشرور فليست مقصودة لذاتها.
ولا هي الغاية التي خلق لها الخلق فهي
مفعولات قدرت لأمر محبوب وجعلت وسيلة
إليه فإذا حصل ما قدرت له اضمحلت
وتلاشت وعاد الأمر إلى الخير المحض.
الوجه الرابع عشر: أنه سبحانه قد أخبر
أن رحمته وسعت كل شيء. فليس شيء من
الأشياء إلا وفيه رحمته ولا ينافي
هذا أن يرحم العبد بما يشق عليه
ويؤلمه وتشتد كراهته له فإن ذلك من
رحمته أيضاً كما تقدم.
وقد ذكرنا حديث أبي هريرة آنفاً
وقوله تعالى لذينك الرجلين: رحمتي
لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث
كنتما من النار. وقد جاء في بعض
الآثار أن العبد إذا دعا لمبتلى قد
اشتد بلاؤه وقال: اللهم ارحمه: يقول
الرب تبارك وتعالى: كيف أرحمه من شيء
به أرحمه. فالابتلاء رحمة منه لعباده
(وفي أثر إلهي) يقول الله تعالى: "أهل
ذكري أهل مجالستي. وأهل طاعتي أهل
كرامتي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل
معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا
فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا
طبيبهم أبتليهم بالمصايب لأطهرهم من
المعايب": فالبلاء والعقوبة أدوية
قدرت لإزالة أدواء لا تزول إلا بها
والنار هي الدواء الأكبر فمن تداوى
في الدنيا أغناه ذلك عن الدواء في
الآخرة، وإلا فلا بد له من الدواء
بحسب دائه ومن عرف الرب تبارك وتعالى
بصفات جلاله ونعوت كماله من حكمته
ورحمته وبره وإحسانه وغناه وجوده
وتحببه إلى عباده وإرادة الإنعام
عليهم وسبق رحمته لهم لم يبادر إلى
إنكار ذلك إن لم يبادر إلى قبوله.
الوجه الخامس عشر: أن أفعاله سبحانه
لا تخرج عن الحكمة والرحمة والمصلحة
والعدل، فلا يفعل عبثاً ولا جوراً
ولا باطلاً بل هو المنزه عن ذلك كما
ينزه عن سائر العيوب والنقائص. وإذا
ثبت ذلك فتعذيبهم إن كان رحمة بهم حتى
يزول ذلك الخبث وتكمل الطهارة فظاهر،
وإن كان لحكمة فإذا حصلت تلك الحكمة
المطلوبة زال العذاب وليس في الحكمة
دوام العذاب أبد الآباد بحيث يكون
دائماً بدوام الرب تبارك وتعالى وإن
كان لمصلحة فإن كان يرجع إليهم،
فليست مصلحتهم في بقائهم في العذاب
كذلك، وإن كانت المصلحة تعود إلى
أوليائه فإن ذلك أكمل في نعيمهم فهذا
لا يقتضي تأبيد العذاب وليس نعيم
أوليائه وكماله موقوفاً، على بقاء
آبائهم وأبنائهم وأزواجهم في العذاب
السرمد.
فإن قلتم: إن ذلك هو موجب الرحمة
والحكمة والمصلحة قلتم ما لا يعقل،
وإن قلتم إن ذلك عائد إلى محض المشيئة
ولا تطلب له حكمة ولا غاية فجوابه من
وجهين.
أحدهما: إن ذلك محال على أحكم
الحاكمين وأعلم العالمين أن تكون
أفعاله معطلة عن الحكم والمصالح
والغايات المحمودة والقرآن والسنة
وأدلة العقول والفطر والآيات
المشهودة شاهدة ببطلان ذلك.
والثاني: أنه لو كان الأمر كذلك لكان
إبقاؤهم في العذاب وانقطاعه عنهم
بالنسبة إلى مشيئته سواء ولم يكن في
انقضائه ما ينافي كماله وهو سبحانه
لم يخبر بأبدية العذاب وأنه لا نهاية
له. وغاية الأمر على هذا التقدير: أن
يكون من الجائزات الممكنات الموقوف
حكمها على خبر الصادق. فإن سلكت طريق
التعليل بالحكمة والرحمة والمصلحة
لم يقتض الدوام، وإن سلكت طريق
المشيئة المحضة التي لا تعلل لم
تقتضه أيضاً. وإن وقف الأمر على مجرد
السمع فليس فيه ما يقتضيه.
السادس عشر: أن رحمته سبحانه سبقت
غضبه في المعذبين فإنه أنشأهم في
رحمته، ورباهم برحمته ورزقهم
وعافاهم برحمته وأرسل إليهم الرسل
برحمته وأسباب النقمة والعذاب
متأخرة عن أسباب الرحمة طارئة عليهم
فرحمته سبقت غضبه فيها وخلقهم على
خلقه، تكون رحمته إليهم أقرب من غضبه
وعقوبته. ولهذا ترى أطفال الكفار قد
ألقى عليهم رحمته فمن رآهم رحمهم،
ولهذا نهى عن قتلهم فرحمته سبقت غضبه
فيهم، فكانت هي السابقة إليهم ففي كل
حال هم في رحمته في حال معافاتهم
وابتلائهم.
وإذا كانت الرحمة هي السابقة فيهم لم
يبطل أثرها بالكلية وإن عارضهم أثر
الغضب والسخط فذلك لسبب منهم، وما
أثر الرحمة فسببه منه سبحانه فما منه
يقتضي رحمته. وما منهم يقتضي عقوبتهم
والذي منه سابق غالب، وإذا كانت
رحمته تغلب غضبه فلأن يغلب أثر
الرحمة أثر الغضب أولى وأحرى.
الوجه السابع عشر: أنه سبحانه يخبر عن
العذاب أنه عذاب يوم عقيم وعذاب يوم
عظيم، وعذاب يوم أليم، ولا يخبر عن
النعيم أنه نعيم يوم ولا في موضع واحد.
وقد ثبت في الصحيح: تقدير يوم القيامة
بخمسين ألف سنة والمعذبون متفاوتون
في مدة لبثهم في العذاب بحسب
جرائمهم، والله سبحانه جعل العذاب
على ما كان من الدنيا وأسبابها، وما
أريد به الدنيا ولم يرد به وجه الله
فالعذاب على ذلك.
وأما ما كان للآخرة وأريد به وجه الله
فلا عذاب عليه، والدنيا قد جعل لها
أجل تنتهي إليه فما انتقل منها إلى
تلك الدار مما ليس لله فهو المعذب به.
وأما ما أريد به وجه الله والدار
الآخرة فقد أريد به مالا يفني ولا
يزول، فيدوم بدوام المراد به، فإن
الغاية المطلوبة إذا كانت دائمة لا
تزول لم يزل ما تعلق به بخلاف الغاية
المضمحلة الفانية، فما أريد به غير
الله يضمحل ويزول بزوال مراده
ومطلوبه وما أريد به وجه الله يبقى
ببقاء المطلوب المراد فإذا اضمحلت
الدنيا وانقطعت أسبابها وانتقل ما
كان فيها لغير الله من الأعمال
والذوات وانقلب عذابا وآلاماً لم يكن
له متعلق يدوم بدوامه بخلاف النعيم.
الوجه الثامن عشر: أنه ليس في حكمة
أحكم الحاكمين أن يخلق خلقاً يعذبهم
أبد الآباد عذاباً سرمداً لا نهاية
له ولا انقطاع أبداً، وقد دلت الأدلة
السمعية والعقلية والفطرية على أنه
سبحانه حكيم وأنه أحكم الحاكمين فإذا
عذب خلقه عذبهم بحكمه كما يوجب
التعذيب والعقوبة في الدنيا وقدره،
فإن فيه من الحكم والمصالح وتطهير
العبد ومداواته وإخراج المواد
الرديئة بتلك الآلام ما تشهده العقول
الصحيحة وفي ذلك من تزكية النفوس
وصلاحها وزجرها وردع نظائرها
وتوقيفها على فقرها وضرورتها إلى
ربها وغير ذلك من الحكم والغايات
الحميدة مالا يعلمه إلا الله.
ولا ريب أن الجنة طيبة لا يدخلها إلا
طيب ولهذا يحاسبون إذا قطعوا الصراط
على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص
لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في
الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم
في دخول الجنة.
ومعلوم أن النفوس الشريرة الخبيثة
المظلمة التي لو ردت إلى الدنيا قبل
العذاب لعادت لما نهيت عنه، لا يصلح
أن تسكن دار السلام في جوار رب
العالمين، فإذا عذبوا بالنار عذاباً
تخلص نفوسهم من ذلك الخبث والوسخ
والدرن، كان ذلك من حكمة أحكم
الحاكمين ورحمته ولا ينافي الحكمة
خلق نفوس فيها شر يزول بالبلاء
الطويل والنار، كما يزول بها خبث
الذهب والفضة والحديد فهذا معقول في
الحكمة وهو من لوازم العالم المخلوق
على هذه الصفة.
أما خلق نفوس لا يزول شرها أبداً
وعذابها لا انتهاء له، فلا يظهر في
الحكمة والرحمة، وفي وجود مثل هذا
النوع نزاع بين العقلاء أعني ذواتاً،
هي شر من كل وجه ليس فيها شيء من خير
أصلاً.
وعلى تقدير دخوله في الوجود، فالرب
تبارك وتعالى قادر على قلب الأعيان
وإحالتها وإحالة صفاتها.
فإذا وجدت الحكمة المطلوبة من خلق
هذه النفوس والحكمة المطلوبة من
تعذيبها، فالله سبحانه قادر أن
ينشئها نشأة أخرى غير تلك النشأة،
ويرحمها في النشأة الثانية نوعاً آخر
من الرحمة.
الوجه التاسع عشر: وهو أنه قد ثبت أن
الله سبحانه ينشيء للجنة خلقاً آخر،
يسكنهم إياها، ولم يعملوا خيراً تكون
الجنة جزاء لهم عليه، فإذا أخذ
العذاب من هذه النفوس مأخذه وبلغت
العقوبة مبلغها فانكسرت تلك النفوس
وخضعت وذلت واعترفت لربها وفاطرها
بالحمد، وأنه عدل فيها كل العدل،
وأنها في هذه الحال كانت في تخفيف منه
ولو شاء أن يكون عذابهم أشد من ذلك
لفعل.
وشاء كتب العقوبة طلباً لموافقة رضاه
ومحبته وعلم أن العذاب أولى بها وأنه
لا يليق بها سواه ولا تصلح إلا له
فذابت منها تلك الخبائث كلها وتلاشت،
وتبدلت بذل وانكسار وحمد وثناء على
الرب تبارك وتعالى، ولم يكن في حكمته
أن يستمر بها في العذاب بعد ذلك، إذ
قد تبدل شرها بخيرها، وشركها
بتوحيدها وكبرها بخضوعها وذلها.
ولا ينتقص هذا بقوله عز وجل {ولو ردوا
لعادوا لما نهوا عنه} فإن هذا قبل
مباشرة العذاب الذي يزيل تلك
الخبائث، وإنما هو عند المعاينة قبل
الدخول فإنه سبحانه قال {ولو ترى إذ
وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد
ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من
المؤمنين، بل بدا لهم ما كانوا يخفون
من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه
وإنهم لكاذبون} (الأنعام:27-28).
فهذا إنما قالوه قبل أن يستخرج
العذاب منهم تلك الخبائث، فأما إذا
لبثوا في العذاب أحقاباً، والحقب كما
رواه الطبراني في معجمه من حديث أبي
أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: [الحقب خمسون ألف
سنة] فإنه من الممتنع أن يبقى ذلك
الكبر والشرك والخبث بعد هذه المدد
المتطاولة في العذاب.
الوجه العشرون: أنه قد ثبت في
الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في
حديث الشفاعة [فيقول الله عز وجل شفعت
الملائكة وشفع النبيون وشفع
المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين،
فيقبض قبضة من النار فيخرج منها
قوماًلم يعملوا خيراً قط قد عادوا
حما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة،
يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج
الحبة في حميل السيل.
فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الله
الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل
عملوه ولا خير قدموه].
فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق
في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار،
بحيث صاروا حما، وهو الفحم المحترق
بالنار. وظاهر السياق أنه لم يكن في
قلوبهم مثقال ذرة من خير فأخرجوه،
فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا
لم نذر فيها خيراً، فيقول الله عز وجل:
شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع
المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين
فيقبض الله قبضة من النار فيخرج منها
قوماً لم يعملوا خيراً قط.
فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن
في قلوبهم مثقال ذرة من خير، ومع هذا
أخرجتهم الرحمة ومن هذا رحمته سبحانه
للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار
ويذروه في البر والبحر زعماً منه
بأنه يفوت الله سبحانه، بهذا قد شك في
المعاد والقدرة ولم يعمل خيراً قط.
ومع هذا فقال له: ما حملك على ما صنعت؟
قال: خشيتك وأنت أعلم، فما تلافاه أن
رحمه الله فلله سبحانه في خلقه حكم لا
تبلغه عقول البشر.
وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [يقول
الله عز وجل: أخرجوا من النار من
ذكرني يوماً أو خافني في مقام] قالوا:
ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من
أولها إلى آخرها لم يذكر ربه يوماً
واحداً ولا خافه ساعة واحدة، ولا ريب
أن رحمته سبحانه إذا أخرجت من النار
من ذكره وقتاً أو خافه في مقام ما،
فغير بدع أن تفنى النار ولكن هؤلاء
خرجوا منها وهي نار.
الوجه الحادي والعشرون: إن اعتراف
العبد بذنبه حقيقة الاعتراف المتضمن
لنسبة السوء والظلم واللوم إليه من
كل وجه ونسبة العدل والحمد والرحمة
والكمال المطلق إلى ربه من كل وجه،
ويستعطف ربه تبارك وتعالى عليه،
ويستدعي رحمته له.
وإذا أراد أن يرحم عبده ألقى ذلك في
قلبه والرحمة معه، ولا سيما إذا
اقترن بذلك جزم العبد على ترك
المعاودة لما يسخط ربه عليه، وعلم
الله أن ذلك داخل قلبه وسويدائه،
فإنه لا تتخلف عنه الرحمة مع ذلك.
وفي معجم الطبراني من حديث يزيد بن
سنان الرهاوي عن سليمان بن عامر عن
أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: [إن آخر رجل
يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط
ظهراً لبطن، كالغلام يضربه أبوه وهو
يفر منه، يعجز عنه عمله أن يسعى فيقول:
يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار،
فيوحي الله تبارك وتعالى إليه: عبدي
إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة
أتعترف لي بذنوبك وخطاياك؟ فيقول
العبد: نعم يا رب، وعزتك وجلالك إن
نجيتني من النار لأعترفن لك بذنوبي
وخطاياي فيجوز الجسر، ويقول العبد
فيما بينه وبين نفسه: لئن اعترفت له
بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار،
فيوحي الله إليه: عبدي اعترف لي
بذنوبك وخطاياك أغفرها لك وأدخلك
الجنة فيقول العبد: لا وعزتك وجلالك،
ما أذنبت ذنباً قط ولا أخطأت خطيئة قط
فيوحي الله إليه: عبدي إن لي عليك
بينة، فيلتفت العبد يميناً وشمالاً
فلا يرى أحداً، فيقول: يا رب أرني
بينتك فيستنطق الله تعالى جلده
بالمحقرات، فإذا رأى ذلك العبد فيقول:
يا رب عندي وعزتك العظائم فيوحي الله
إليه عبدي أنا أعرف بها منك اعترف لي
بها أغفرها لك وأدخلك الجنة فيعترف
العبد بذنوبه فيدخل الجنة]، ثم ضحك
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت
نواجذه يقول: [هذا أدنى أهل الجنة
منزلة فكيف بالذي فوقه؟].
فالرب تعالى يريد من عبده الاعتراف
والانكسار بين يديه والخضوع والذلة
له والعزم على مرضاته، فما دام أهل
النار فاقدين لهذه الروح فهم فاقدون
لروح الرحمة فإذا أراد عز وجل أن
يرحمهم أو من يشاء منهم جعل في قلبه
ذلك فتدركه الرحمة، وقدرة الرب تبارك
وتعالى غير قاصرة على ذلك، وليس فيه
ما يناقض موجب أسمائه وصفاته، وقد
أخبر أنه فعال لما يريد.
الوجه الثاني والعشرون: أنه سبحانه
قد أوجب الخلود على معاصي من الكبائر
وقيده بالتأييد ولم يناف ذلك انقطاعه
وانتهاءه: فمنها: قوله تعالى: {ومن
يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم
خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه
وأعد له عذاباً عظيماً} (النساء:93).
ومنها: قول النبي صلى الله عليه وسلم:
[من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده
يتوجأ بها في نار جهنم خالداً فيها
أبداً] وهو حديث صحيح.
وكذلك قوله في الحديث الآخر في قاتل
نفسه: [فيقول الله تبارك وتعالى
بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة]
وأبلغ من هذا قوله تعالى: {ومن يعص
الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين
فيها أبداً} (الجن:23)، فهذا وعيد مقيد
بالخلود والتأييد، مع انقطاعه قطعاً
بسبب من العبد وهو التوحيد، فكذلك
الوعيد العام لأهل النار لا يمتنع
انقطاعه، بسبب ممن كتب على نفسه
الرحمة وغلبت رحمته غضبه، فلو يعلم
الكافر بكل ما عنده من الرحمة لما يئس
من رحمته كما في صحيح البخاري عنه صلى
الله عليه وسلم: [خلق الله الرحمة يوم
خلقها مائة رحمة، وقال في آخره فلو
يعلم الكافر بكل الذي عند الله من
الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم
المسلم بكل الذي عند الله من العذاب
لم يأمن من النار].
الوجه الثالث والعشرون: أنه لو جاء
الخبر منه سبحانه صريحاً بأن عذاب
النار لا انتهاء له، وأنه أبدي لا
انقطاع له، لكان ذلك وعيداً منه
سبحانه والله تعالى لا يخلف وعده،
وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم أن
أخلاقه كرم وعفو وتجاوز يمدح الرب
تبارك وتعالى به ويثني عليه به فإنه
حق له إن شاء تركه، وإن شاء استوفاه،
والكريم لا يستوفي حقه فكيف بأكرم
الأكرمين؟!
وقد صرح سبحانه في كتابه في غير موضع
بأنه لا يخلف وعده، ولم يقل في موضع
واحد لا يخلف وعيده.
وقد روى أبو يعلى الموصلي ثنا هديه بن
خالد ثنا سهيل بن أبي حزم ثنا ثابت
البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
[من وعده الله على عمل ثواباً فهو
منجزه، ومن أوعده على عمل عقاباً فهو
فيه بالخيار].
وقال أبو الشيخ الأصبهاني حدثنا محمد
بن حمزة حدثنا أحمد بن الخليل حدثنا
الأصمعي قال: "جاء عمرو بن عبيد إلى
أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو
يخلف الله ما وعده؟ قال: لا، قال:
أفرأيت من أوعده الله على عمله
عقاباً أيخلف الله وعده عليه؟ فقال
أبو عمرو بن العلاء من العجمة أتيت يا
أبا عثمان إن الوعد غير الوعيد إن
العرب لا تعد عاراً ولا خلقاً أن تعد
شراً، ثم لا تفعله ترى ذلك كرماً
وفضلاً، وإنما الخلف أن تعد خيراً ثم
لا تفعله، قال: فأوجدني هذا في كلام
العرب، قال: نعم، أما سمعت إلى قول
الأول:-
ولا يرهب ابن العم ما عشت سطوتي … ولا أختشي من صولة المتهدد
وإني وإن أوعدتــه أو وعدتـــه ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
قال أبو الشيخ وقال يحيى بن معاذ: الوعد والوعيد حق، فالوعد حق العباد على الله ضمن لهم إذا فعلوه كذا أن يعطيهم وكذا، ومن أولى بالوفاء من الله، والوعيد حقه على العباد قال: لا تفعلوا كذا فأعذبكم، ففعلوا فإن شاء عفا، وإن شاء أخذ لأنه حقه وأولاهما بربنا تبارك وتعالى، العفو والكرم إنه غفور رحيم، ومما يدل على ذلك ويؤيده خبر كعب بن زهير حين أوعده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
نبئت أن رسول الله أوعدني … والعفو عند رسول الله مأمول
فإذا
كان هذا في وعيد مطلق، فكيف بوعيد
مقرون، استثناء معقب بقوله {إن ربك
فعال لما يريد} وهذا إخبار منه أن
يفعل ما يريد عقيب قوله إلا ما شاء
ربك فهو عائد إليه ولا بد، ولا يجوز
أن يرجع إلى المستثنى منه وحده، إما
أن يختص بالمستثنى أو يعود إليهما
وغير خاف أن تعلقه بقوله {إلا ما شاء
ربك} أو من تعلقه بقوله {خالدين فيها}
وذلك ظاهر للمتأمل وهو الذي فهمه
الصحابة، فقالوا: أتت هذه الآية على
كل وعيد في القرآن، ولم يريدوا بذلك
الاستثناء وحده، فإن الاستثناء
مذكور في الأنعام أيضاً، وإنما
أرادوا عقب الاستثناء بقوله {إن ربك
فعال لما يريد} وهذا التعقيب نظير
قوله في الأنعام {خالدين فيها إلا ما
شاء الله إن ربك حكيم عليم} (الأنعام:128)
فأخبر أن عذابهم في جميع الأوقات
ورفعه عنهم في وقت يشاؤه صادر عن كمال
علمه وحكمته لا عن مشيئة مجردة عن
الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل،
وإذا يستحيل تجرد مشيئته عن ذلك.
الوجه الرابع والعشرون: أن جانب
الرحمة أغلب في هذه الدار الباطلة
الفانية الزائلة عن قرب من جانب
العقوبة والغضب ولولا ذلك لما عمرت
ولا قام لها وجود، كما قال تعالى: {ولو
يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك
عليهم من دابة} وقال {ولو يؤاخذ الله
الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من
دابة} (النحل:61)، فلولا سعة رحمته
ومغفرته وعفوه لما قام العالم، ومع
هذا فالذي أظهره من الرحمة في هذه
الدار، وأنزله بين الخلائق جزء من
مائة جزء من الرحمة، فإذا كان جانب
الرحمة قد غلب في هذه الدار ونالت
البر والفاجر والمؤمن والكافر، مع
قيام مقتضى العقوبة به ومباشرته له
وتمكنه من إغضاب ربه والسعي في
مساخطته، فكيف لا يغلب جانب الرحمة
في دار تكون الرحمة فيها مضاعفة، على
ما في هذه الدار تسعاً وتسعين ضعفاً،
وقد أخذا العذاب من الكفار مأخذه،
وانكسرت تلك النفوس وأنهكها العذاب،
وأذاب منها خبثاً وشراً لم يكن يحول
بينها وبين رحمته لها في الدنيا، بل
كان يرحمها مع قيام مقتضى العقوبة
والغضب بها فيكيف إذا زال مقتضى
الغضب والعقوبة، وقوى جانب الرحمة
أضعاف أضعاف الرحمة في هذه الدار
واضمحل الشر والخبث الذي فيها
فأذابته النار وأكلته.
وسر الأمر أن أسماء الرحمة والإحسان
أغلب وأظهر، وأكثر من أسماء
الانتقام، وفعل الرحمة أكثر من فعل
الانتقام وظهور آثار الرحمة أعظم من
ظهور آثار الانتقام، والرحمة أحب
إليه من الانتقام، وبالرحمة خلق خلقه
ولها خلقهم، وهي التي سبقت غضبه
وغلبته وكتبها على نفسه، ووسعت كل
شيء، وما خلق بها فمطلوب لذاته، وما
خلق بالغضب فمراد لغيره، كما تقدم
تقرير ذلك والعقوبة تأديب وتطهير.
والرحمة إحسان وكرم وجود والعقوبة
مداواة، والرحمة عطاء وبذل.
الوجه الخامس والعشرون: أنه سبحانه
لا بد أن يظهر لخلقه جميعهم يوم
القيامة صدقه وصدق رسله، وأن
أعداءهكانوا هم الكاذبين المفترين،
ويظهر لهم حكمه الذي هو أعدل حكم في
أعدائه وأنه حكم فيها حكماً يحمدونه
هم عليه فضلاً عن أوليائه وملائكته
ورسله بحيث ينطق الكون كله بالحمد
لله رب العالمين ولذلك قال تعالى: {وقضي
بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب
العالمين} (الزمر:75)، فحذف فاعل القول
لإرادة الإطلاق وأن ذلك جار على لسان
كل ناطق وقلبه. قال الحسن لقد دخلوا
النار، وأن قلوبهم لممتلئة من حمده
ما وجدوا عليه سبيلاً. وهذا هو الذي
حسن حذف الفاعل من قوله {قيل ادخلوا
أبواب جهنم خالدين فيها} (الزمر:72) حتى
كان الكون جميعه قائل ذلك لهم إذ هو
حكمه العدل فيهم ومقتضى حكمته وحمده.
وأما أهل الجنة فقال تعالى: {وقال لهم
خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها
خالدين} (الزمر:73) فهم لم يستحقوها
بأعمالهم وإنما استحقوها بعفوه
ورحمته وفضله، فإذا أشهد سبحانه
ملائكته وخلقه كلهم حكمه العدل
وحكمته الباهرة. ووضعه العقوبة حيث
تشهد العقول والفطر والخليقة أنه
أولى المواضع وأحقها بها، وأن ذلك من
كمال حمده الذي هو مقتضى أسمائه
وصفاته وأن هذه النفوس الخبيثة
الظالمة الفاجرة، لا يليق بها غير
ذلك ولا يحسن بها سواه بحيث تعترف هي
من ذواتها بأنها أهل ذلك وأنها أولى
به حصلت الحكمة التي لأجلها، وجد
الشر وموجباته في هذه الدار وتلك
الدار.
وليس في الحكمة الإلهية أن الشرور
تبقى دائماً لا نهاية لها ولا انقطاع
أبداً، فتكون هي والخيرات في ذلك على
حد سواء، فهذا نهاية أقدام الفريقين
في هذه المسألة، ولعلك لا تظفر به في
غير هذا الكتاب.
فإن قيل: فإلى أين أنتهى قدمكم في هذه
المسألة العظيمة الشأن، التي هي أكبر
من الدنيا بأضعاف مضاعفة؟
قيل: إلى قوله تبارك وتعالى: {إن ربك
فعال لما يريد} (هود:107)، إلى هذا انتهى
قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
رضي الله عنه فيها حيث ذكر دخول أهل
الجنة الجنة، وأهل النار النار، وما
يلقاه هؤلاء وهؤلاء، وقال: ثم يفعل
الله بعد ذلك ما يشاء.
بل وإلى ههنا انتهت أقدام الخلائق
وما ذكرنا في هذه المسألة بل في
الكتاب كله من صواب فمن الله سبحانه،
وهو المعان به وما كان من خطأ فمني،
ومن الشيطان والله ورسوله برئ منه،
وهو عند لسان كل قائل وقلبه وقصده
والله أعلم.
خاتمـــة
هذا
ما استطعت جمعه من فضائل شيخنا
وإمامنا وقدوتنا شيخ الإسلام، أحمد
بن الحليم ابن تيمية رحمه الله -جمعناها
رداً على الذي زعم بجهله أو بحقده- إن
هذا الإمام قد كفره العلماء قبل
موته، بل تطاول وقال وإنه لو قدر له
أن يقوم من قبره لنفذ فيه حكم الردة
ليعلم كل من تعصب لهذا الرجل ونصره
رغم باطله أنه قد عمل في هدم الدين،
وأساء أعظم إساءة إلى إمام عظيم من
أئمة المسلمين لا زال فضله بعد الله
على أهل الإسلام منذ عصره وإلى يومنا
هذا، ولا زال علمه وكتبه مرجع
الباحثين، وقبله طلاب العلم الشرعي
الحقيقي أجمعين.
ولا شك أن كثرة التعرض لعرض شيخ
الإسلام ابن تيمية إنما هو دليل فضله
كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها
عندما سمعت أن أناساً يسبون أبا بكر
ويتهمونه قالت: أبا الله أن ينقطع
عمله.. فمن سب مؤمناً كان له بهذا
الأجر عند الله، وأما الظالم الشاتم
فله الخزي والعار في الدنيا والآخرة {والذين
يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما
اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً
مبيناً} (الأحزاب:58) والحمد لله رب
العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله
محمد وآله وصحبه أجمعين.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع
العليم، ربنا اغفر لنا ذنوبنا
وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا
وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا
اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا
بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً
للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
نقلا عن الشبكة السلفية